ومما يتصل بالحذف للوقف ما ورد في القرآن الكريم من حذف ياء الفعل المضارع الصحيح غير المجزوم أي لم يسبق بجازم قوله تعالى:"وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ" (الفجر 4) ، وقد جاء الحذف هنا مخالفًا لقواعد النحو التي وضعها اللغويون والنحاة مراعاة لموسيقى الفواصل القرآنية في آيات السورة ذاتها حيث حذفت الياء من كلمة يسر دون أن يكون هناك عامل للجزم.
يكثر حذف المفعول به في فواصل الآيات ومنه قوله تعالى:"مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى" (سورة الضحى 3) ، التقدير وما قلاك وقوله:"لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى" (طه 77) التقدير ولا تخش دركًا، أولًا تخشاه، وقوله:"أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى - فَهَدَى - فَأَغْنَى" (الضحى 6،7،8) ، أي فآواك وهداك وأغناك، وقوله"وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ" (المطففين 3) ، تقديره يخسرونهم الموزون أو المكيل فحذف المفعولين اللذين ليس اصلهما مبتدأ وخبر حيث حذف الثاني من الفعلين"كال"و"وزن"وحذف المفعولان معا من الفعل"يخسرون" [1] ، ومن الملاحظ أن المحذوف صوت صامت أي صوت الكاف الضمير المتصل والفتحة القصيرة بعده وهذا الصوت ذو دلالة خاصة وهي دلالته على ضمير المخاطب المفرد وكذلك صوت الهاء في قوله"يخسرونهم"فهو ذو دلالة على الغائب المفرد وملحق بميم الجمع وهذه الدلالة ناتجة من وقوعهما آخر الكلمة خلافًا لوقوعهما في أولها أو أوسطها إذ أنهما يعربان في محل نصب مفعول به، ومع أنهما صامتان لهما أهمية في النطق والتركيب النحوي إلا أنهما حذفا في فواصل الآيات مراعاة للانسجام الصوتي بما قبلها وما بعدها.
كما يعتبر حذف المفعول في مثل هذه المواضع مخالفًا للقواعد النحوية التي وضعها النحاة وسبب هذه المخالفة عائد إلى مجيء هذه المفاعيل في أواخر الآيات القرآنية نحو قوله"وما قلى - فأغنى"كما ذكرنا وقد جاء الحذف مراعاة للفواصل القرآنية وما تطلبه هذه الفواصل من موسيقى تنتظم هذه الآيات كما انتظمت الآيات السابقة واللاحقة لها.
(1) إعراب القرآن المنسوب للزجاج، القسم الثاني ن ص 437،456.