كما ذكرنا فإن المصارف هي المؤسسات الأكثر استهدافًا لغاسلي الأموال الذين يسعون دائمًا لإجراء سلسة من العمليات المصرفية البسيطة والمركبة والتي يمكن أن تؤدي في النتيجة إلى إعطاء المال القذر صفة المشروعية، ودمجه بالمال النظيف المشروع. والمال كما يقال لارائحة له، فبعد دمج الأموال القذرة بالأموال الشرعية لن يكون من السهل تمييزها. والخدمات والمنتجات البنكية التي تتطور باستمرار تتيح المزيد من الفرص لغاسلي الأموال لإتمام جريمتهم.
ولكن، وكما أن المصارف هي الأكثر استهدافا لتنفيذ جرائم غسيل الأموال فهي في الوقت نفسه الوسيلة والأداة الرئيسة لمكافحة هذه الجرائم، شرط أن تمتلك المصارف الخبرة الكافية والمعمقة بالآليات التي يمكن أن تتيح تنفيذ عمليات غسيل الأموال وتدرك بأن هذه الآليات ليست بسيطة بل هي متغيرة ومتطورة ومعقدة في الغالب ينتجها ويطورها مجرم ذو خبرة مصرفية مميزة، ومن هنا كان كشفها ومكافحتها يحتاج إلى خبرات بنفس المستوى أو أفضل. فكما ذكرنا سابقا فإن جريمة غسيل الموال ومكافحة غسيل الأموال في واقع الأمر صراع بين مستوى عال من الخبرات والمعرفة المصرفية.
ولابد لي من التنويه هنا بأن إدراكنا لطبيعة العمليات المعقدة التي قد يبتكرها غاسلي الأموال لتنفيذ جرائم باستخدام المصارف والخدمات والمنتجات المصرفية، فإن هذا لايعني عدم قيام البعض بمحاولة تنفيذ عمليات الغسيل بوسائل عادية بسيطة أيضًا وبالتالي على المصارف الانتباه إلى العمليات العادية البسيطة والتقيد بالتعاليم والإرشادات التي قد تكون كافية لمكافحة مثل هذه المحاولات، هذا من جهة، ومن جهة اخرى أرى أنه يجب أن لاتشكل جريمة غسيل الأموال أو طبيعتها الحرفية والمعقدة في غالب الأحيان حاجزًا أو مرضًا نفسيًا أو خوفًا مرضيًا لدى بعض موظفي المصارف قد يمنعهم عن القيام بعملهم بشكل طبيعي وتقديم الخدمة المصرفية بشكل جيد أو يؤدي إلى إثارة قضايا أو الإضرار بعميل فقط على أساس الإشتباه غير المبرر.