فالجرح خطر فإن فيه مع حق الله تعالي ورسوله (- صلى الله عليه وسلم -) :حق آدمي. قال الإمام ابن دقيق العيد [1] :إن باب الجرح تدخل فيه الآفة من وجوه خمسة: أحدها وهو شرها: الكلام بسبب الهوي والغرض والتحامل , وثانيها: المخالفة في العقائد , فإنها أوجبت تكفير الناس بعضهم لبعض أو تبديعهم , وثالثها: الاختلاف الواقع بين المتصوفة وأصحاب العلوم الظاهرة , فقد وقع بينهم تنافر أوجب كلام بعضهم في بعض , ورابعها: الكلام بسبب الجهل بالعلوم ومراتبها والحق والباطل منها , وخامسها: الخلل الواقع بسبب عدم الورع والأخذ بالتوهم والقرائن التي قد تتخلف.
ولصعوبة اجتماع أسباب السلامة من هذه الآفات التي تدخل في الجرح عظم الخطر في الكلام في الرجال , لقلة اجتماع الشروط الواجب توافرها في المزكِّين والمجرّحين , من العدالة والاعتدال والانصاف والعلم والتقوي والورع , والسلامة من الهوي والميل والحسد والكيد والعداوة. لذلك قال الإمام ابن دقيق العيد: (أعراض المسلمين حفرة من حُفر النار وقف علي شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام) [2]
قال الإمام السخاوي في صدر كلامه علي خطورة الجرح والتعديل: واحذر أيها المتصدي لذلك، المقتضي فيه أثر من تقدم من غرض أو هوى يحملك كل منها علي التحامل والانحراف، وترك الإطراء والافتراء ,فذلك شر الأمور التي تدخل-على القائم بذلك الآفة منها. والمتقدمون سالمون منه غالبًا ,منزهون عنه ,لوفور ديانتهم ,بخلاف المتأخرين ,فإنه ربما يقع ذلك في تواريخهم , وهو مجانب لأهل الدين وطرائقهم.
يشترط في الجارح والمعدل: العلم والتقوي والورع، والصدق والتجنب عن التعصب ومعرفة أسباب الجرح والتزكية، ومن ليس كذلك لا يقبل منه الجرح ولا التزكية.
(1) الاقتراح في بيان الاصطلاح، الباب الثامن في معرفة الضعفاء، ص 330، 344
(2) المصدر السابق، ص 330، 334