الصفحة 28 من 33

إن السنن التي عليها مدار تفصيل الأحكام ومعرفة الحلال والحرام إلي غير ذلك من أمور الدين، إنما ثبتت بعد معرفة رجال أسانيدها و رواتها.

إن الصحابة رضي الله عنهم، قد كُفينا البحث عن أحوالهم، لإجماع أهل الحق من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة علي أنهم كلهم عدول، فواجب الوقوف علي أسمائهم، والبحث عن سيرهم وأحوالهم، ليُهتدي بهديهم، فهم خير من سُلك سبيله واقْتُدِي به، كذلك كان لابدمن معرفة باقي رواة الحديث، حتي يصح العمل بما رواه الثقات منهم، وتقوم به الحجة، فإن المجهول لاتصح روايته، ولا ينبغي العمل بما رواه.

ولأهمية هذا العلم وعظيم موقعه في كشف الصحيح من الجريح، قال الإمام علي المديني (شيخ الإمام البخاري) : (الفقهُ في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم) [1]

وكذلك قال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر: (وبعد فإن العلم محيط بأن السنن أحكام جارية علي المرء في دينه، في خاصة نفسه وفي أهله وماله، ومعلوم أن من حُكم بقوله وقُضي بشهادته، فلا بد من معرفة اسمه ونسبه، وعدالته والمعرفة بحاله [2] .

لذلك اهتم العلماء بتأليف تواريخ الرواة: الثقات والمجروحين، ليُعرفوا ويُعرف حكم ما نقلوا لنا من سنن الدين عن سيد المرسلين (- صلى الله عليه وسلم -) .

وهو علم صعب و خطر، لأنك إن عدَّلت بغير تثبت، كنت كالمثبت حكمًا ليس بثابت، فيخشي عليك أن تدخل في زمرة من روي حديثًا وهو يظن أنه كذب، وإن جرَّحت بغير تحرز، أقدمت علي الطعن في مسلم برئ من ذلك، ووسمته بميسم سوء يبقي عليه عارُه أبدًا.

(1) تهذيب التهذيب، الإمام الذهبي، في المقدمة

(2) الاستيعاب في أسماء الأصحاب، المقدمة، 1: 19، 1:19 من الطبعة المحققة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت