وتجدر الإشارة في هذا المجال إلى أن القوانين المدنية المقارنة في موادها المشار إليها سالفًا، لم تكن الغاية منها الأخذ بمفهوم المذهب الفردي على إطلاقه، بل حاولت تلك القوانين مسايرة الاتجاهات المعاصرة لمبدأ سلطان الإرادة.
فقد أصبحت الاتجاهات المعاصرة تسير نحو تقييد دور الإرادة في نطاق العقد [1] ، ذلك أن حرية الإرادة ترتبط بالفلسفة الفردية، ولما كانت الأفكار السائدة في المجتمعات الحديثة هي الأفكار الاجتماعية، فقد أدى ذلك إلى ازدياد القيود على سلطان الإرادة،"فالأفكار الاجتماعية تنادي بضرورة تدخل الدولة عن طريق أحكام القانون لتنظيم علاقات الأفراد في معاملاتهم الخاصة، تنظيمًا إجباريًا لا يترك لإرادتهم كثيرًا من الحرية في تنظيم تلك المعاملات" [2] .
فقد تغيرت الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي نشأ في رحابها مبدأ سلطان الإرادة، وسارت تشريعات الدول نحو الاشتراكية التي ترى الاعتداد بمصالح الجماعة قبل مصلحة الفرد، فظهر أنصار المذهب الاجتماعي [3] .
فالاعتداد بمصلحة الجماعة يقتضي منع تسلط الطرف القوي في التعاقد على الطرف الضعيف، بل ينبغي تقييد إرادة الأول لمصلحة الأخير. فالعامل وصاحب العمل كلاهما يملك الإرادة الحرة في التعاقد (وكذلك المؤجر والمستأجر) إلا أنهما ليسا على قدم المساواة، فإحداهما طرف قوي يملك إملاء شروطه على الطرف الأخر الضعيف، ولذلك يجب تقييد إرادة صاحب العمل (والمؤجر) لمصلحة العامل (والمستأجر) .
وكذلك الحال بالنسبة للعقود التي تبرم بين جمهور المستهلكين وبين الشركات الاحتكارية، فأين المساواة في الإرادة الحرة بين شركة كبيرة ومستهلك ضعيف؟ إن هذه هي مساواة نظرية فحسب، فهل نجد مشتركًا (مستهلكًا) يستطيع مناقشة الشروط التي يضعها مرفق المياه أو الكهرباء؟ الواقع أن تحقيق العدل الاجتماعي يقتضي تقييد إرادة هذا المحتكر لمصلحة المستهلك.
(1) د. سهام عبد الرزاق مجلي ألسعيدي، المصدر السابق، ص 87.
(2) المصدر نفسه، ص 88.
(3) "تتمثل فكرة أنصار المذهب الاجتماعي من الإرادة في إنكار دورها المهم الذي غالا فيه أنصار المذهب الفردي، فهم يعتقدون أن للإرادة دور متواضع في إنشاء التصرفات القانونية، وأن الإرادة ليست هي المصدر الوحيد للالتزام لوجود موانع متعددة، كما أن الإرادة ليست إلا وسيلة لتحقيق غاية تخضع لقيود ترتبط بمصلحة المجتمع".
د. منذر الفضل، المصدر السابق، ص 42.
وبنفس المعنى ينظر - د. أحمد حشمت أبو ستيت، المصدر السابق، ص 44 - 45.