ويكون هذا التدخل عندما يخول المشرع القاضي صلاحية تعديل أو إلغاء بعض الشروط التعسفية أو إعادة التوازن الاقتصادي بين طرفي العقد [1] .
فالقاضي يستطيع أن يغير ويحد من أثر الإرادة الفعلية للأفراد، فتارة نراه يوسع من مضمون العقد، ليضيف إليه التزامًا لم يفكر فيه الطرفان، وتارة ينتقص مما اتفق عليه العاقدان، هذه هي بصورة عامة الصورة التي انتهى إليها مبدأ سلطان الإرادة [2] .
ومثالًا على الحالة الأولى (وهي التوسع في مضمون العقد) ما وصل إليه القضاء من مرحلة أكثر إيجابية، وذلك بفرضه على أحد المتعاقدين التزامًا بضمان سلامة المتعاقد الأخر، خصوصًا في عقد النقل، فأصبح الناقل ملزمًا حتى دون اتفاق مسبق بضمان سلامة المسافر، وهذا يعني أن القضاء يضيف إلى العقد التزامًا لم يكن محل اتفاق المتعاقدين أو حتى لم يفكر به [3] .
وقد اختلف الفقهاء في تعيين السند القانوني الذي يعتمده القضاء عند فرضه الالتزام بالسلامة على أحد أطراف العقد، فرأى جانب من الفقه [4] بأن هذا الالتزام مصدره الإرادة الضمنية المشتركة للمتعاقدين بينما ذهب جانب أخر من الفقه [5] بالقول أن في الرجوع وبشكل دائم إلى إرادة العاقدين سواء إرادة حقيقية أو محتملة، لتحديد مضمون العقد شيئًا من التحكم وهذا غير صحيح، وإنما الأقرب إلى الواقع، هو الاستناد في الاعتراف بالالتزام بالسلامة إلى نص المادة (150) فقرة (2) من القانون المدني العراقي - والتي تقابل نص المادة (148) فقرة (2) من القانون المدني المصري والمادة (1135) من القانون المدني الفرنسي، وهذا الاتجاه هو ما يمكن الاتفاق معه.
ففي المادة (150) فقرة (2) من القانون المدني العراقي متسع لاحتواء هذا الالتزام، فقد نصت المادة سالفة الذكر على ما يلي"ولا يقتصر العقد على إلزام المتعاقد بما ورد فيه، ولكن يتناول أيضًا ما هو من مستلزماته وفقًا للقانون والعرف والعدالة بحسب طبيعة الالتزام". فمن السهل القول أن الالتزام بالسلامة هو من مستلزمات عقد النقل. وبمقتضى هذا النص يستطيع القاضي أن يضيف إلى مضمون العقد ما يقتضي العرف أو العدالة بإضافة إليه.
(1) عبد الرحمن عبد الرزاق داؤود الطحان، المصدر السابق، ص 71.
(2) د. عبد المجيد الحكيم، الموجز في شرح القانون المدني، المصدر السابق، ص 36.
(3) د. أحمد حشمت أبو ستيت، المصدر السابق، ص 48.
(4) د. محمود جمال الدين زكي، مشكلات المسؤولية المدنية، ج 1، القاهرة، 1978 م، ف 44.
نقلًا عن: عبد الرحمن عبد الرزاق داؤود الطحان، المصدر السابق، ص 76.
(5) عبد الرحمن عبد الرزاق داؤود الطحان، المصدر السابق، ص 76.