الصفحة 34 من 42

أما من الأمثلة على الحالة الثانية (وهي الانتقاص مما اتفق عليه العقدان) هو فيما يخص الشرط الجزائي. ففي بعض الأحيان يخضع المشرع بعض شروط العقد لرقابة القضاء خشية من تعسف المتعاقدين. فبالرغم من أن المشرع العراقي قد أجاز للمتعاقدين مثلًا الاتفاق على الشرط الجزائي (التعويض ألاتفاقي) في المادة (170) من القانون المدني العراقي، إلا أنه لم يترك ذلك لمحض إرادة المتعاقدين، بل ربط بين استحقاق التعويض ألاتفاقي ومقدار الضرر، فلا يكون التعويض ألاتفاقي مستحقًا إذا أثبت المدين أن الدائن لم يلحقه أي ضرر، ويجوز تخفيضه إذا أثبت المدين أن التقدير كان فادحًا، أو أن الالتزام الأصلي قد نفذ في جزء منه [1] .

كما تولى القضاء مهمة تقويم بعض السلبيات التي تنجم عن فقدان التوازن الاقتصادي بين طرفي العقد في عقود الإذعان، وانفراد أحد أطراف العقد في وضع صيغته وإملاء شروطه، وأعلن أنه ما دام صاحب الاحتكار، وهو الأقوى اقتصاديًا قد وضع العقد بعد دراسة دقيقة لكافة بنوده وشروطه أخذًا بنظر الاعتبار كافة الظروف والملابسات، فليس له بعد ذلك التمسك بتفسير الشروط الغامضة لمصلحته.

ففي عقد الإذعان تنعدم إرادة المتعاقد في التفاوض بشأن العقد المراد إبرامه، ويقتصر مبدأ سلطان الإرادة على جانب واحد يتعلق بقبول التعاقد أو رفضه، حتى أن هناك شكًا في مدى توافر هذا الجانب أيضًا، إذ أن الاحتياج إلى السلعة أو الخدمة محل العقد يدفعه إلى قبول بنود العقد كما وضعها الشخص المحتكر دون مناقشة [2] .

ولهذا اتجه القضاء إلى تفسير العبارات الغامضة في عقود الإذعان لمصلحة الطرف المذعن. وقد حدد المشرع العراقي في المادة (167) فقرة (3) الطريق للقضاء لتفسير العبارات الغامضة عندما قرر بأنه"لا يجوز أن يكون تفسير العبارات الغامضة في عقود الإذعان ضارًا بمصلحة الطرف المذعن، ولو كان دائنًا" [3] .

كما خول المشرع، القاضي صلاحية تعديل الشروط التعسفية التي تتضمنها عقود الإذعان، بل وحتى إعفاء الطرف المذعن منها. وهذا ما عبرت عنه المادة (167) فقرة (2) من القانون المدني العراقي التي نصت على أنه"إذا تم العقد بطريق الإذعان، وكان قد تضمن شروطًا تعسفية، جاز للمحكمة أن تعدل هذه الشروط أو تعفي الطرف المذعن منها، وذلك وفقًا لما تقضي به العدالة، ويقع باطلًا كل اتفاق على خلاف ذلك".

(1) ينظر - نص المادة (170) فقرة (2) من القانون المدني العراقي.

ويراجع قرار الهيئة العامة لمحكمة تمييز العراق، رقم (161) - هيئة عامة أولى - بتاريخ 22/ 11/1974، النشرة القضائية، العدد الرابع، السنة الخامسة، ص 38.

(2) د. محمد عبد الظاهر، المصدر السابق، ص 751.

(3) وذات الحكم قرره المشرع المصري في المادة (151) من القانون المدني المصري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت