الصفحة 35 من 42

بمعنى على القضاء أن يوازن ما بين مبدأ سلطان الإرادة وما بين أن تكون هذه الإرادة حرة وغير خاضعة لعوامل النفوذ الاقتصادي والاستغلال الأحادي من قبل أحد الأطراف. أي إجبار أطراف العقد على الالتزام بموضوعية الإرادة التعاقدية.

فموضوعية الإرادة التعاقدية لا يقتصر ضرورة وجودها في إبرام العقد فقط، بل تمتد إلى ما بعد الانعقاد وإلى انتهاء العقد. وهذا ما أكده القضاء، حيث جاء في حيثيات قرار إحدى الأحكام التي أصدرها القضاء البلجيكي"بأن كثرة الاتفاقات التي تحتوي على بنود موضوعة سلفًا من جانب أحد المتعاقدين دفعت بالقضاة، إلى البحث عن الوسائل التي بها يوفقون بين أوضاع المتعاقدين. ولم تقف محكمة النقض البلجيكية إطلاقًا أمام هذه الرغبة لدى القضاة بل طورتها في حدود اختصاصها. وهي اليوم الحارس اليقظ المراقب لمدى احترام القضاة لمبدأ سلطان الإرادة من ناحية، والقوة الملزمة للاتفاقات المبرمة بحرية بين الأفراد من ناحية أخرى، ورفضت من جانبها الأحكام التي أهملت احترام هذين المبدأين أم تلك التي شجعت عدم التعادل بين طرفي العقد" [1] .

ومن التطبيقات الأخرى التي يتوضح فيها تدخل القاضي في تعديل أثار العقد، هي نظرية الظروف الطارئة، فقد كانت هذه النظرية خروجًا على مذهب الإرادة"واستثناءًا عن قاعدة أن العقد شريعة المتعاقدين، ومبدأ القوة الملزمة للعقد، لأن هذه النظرية تهدف إلى تعديل مضمون العقد على غير الإرادة المشتركة للمتعاقدين، برد الالتزام الذي جعله الحادث الطارئ مرهقًا إلى الحد المعقول" [2] .

وقد رفض المشرع الفرنسي في قانون نابليون الاعتراف للقاضي بهذه الصلاحية نظرًا لما كان يبديه من احترام كبير لمبدأ سلطان الإرادة، والذي يؤكد على وجوب تنفيذ العقد تنفيذًا دقيقًا، ولا عبرة بما يلحق المدين من خسارة تصيبه لا من خطئه، بل من تغيير الظروف، فهذه أمور تخصه وحده، ولا شأن للدائن بها، وعلى الرغم من ذلك، فإن القضاء الإداري الفرنسي متمثلًا في مجلس الدولة، على عكس القضاء المدني كان يأخذ مسألة تغيير الظروف بعين الاعتبار، ويندفع لتعديل العقد بما يتلائم والظروف الجديدة التي لم تكن متوقعة من المتعاقدين [3] .

نقلًا عن: د. محمد عبد الظاهر، المصدر السابق، ص 752 - 753.

(2) د. عبد الرحمن عياد، أساس الالتزام العقدي، المصدر السابق، ص 366.

(3) مازو، دروس في القانون المدني، ف (125) .

نقلًا عن: عبد الرحمن عبد الرزاق داؤود الطحان، المصدر السابق، ص 74.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت