فهرس الكتاب
[من روائع الأبحاث]
(وسطية الإسلام في التدرج بالتشريع)
للأستاذ/ سيد مبارك
إنَّ الحمدَ لله نحمدُه، ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شُرور أنفُسِنا، وسيِّئات أعمالنا، من يهدِه اللهُ فهو المهتدي، ومن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلاالله، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.
أمَّا بعد:
فالتدرُّج في التشريع من وسطية الإسلام وسماحته؛ فقد تدرَّجت بعضُ الأحكام بحسب الأحوال والوقائع، ولم تنزل جملةً واحدةً، ولكن أوجبها عليهم مرةً بعد مرةٍ، فقد فرض سبحانه الصلاةَ على العباد قبلَ الهجرة بسنةٍ ونصفٍ تقريبًا، ثم فرض الزكاة والصوم في السنة الثانية، وهكذا في باقي الأحكام؛ وذلك مراعاةً لواقع المجتمع الذي أراد معالجته وإخراجَه من ظُلُمات الكُفر إلى نور الإيمان.
ونُنبِّه لأمرٍ جوهريٍّ، وأشعرُ بالشكِّ في قلوب بعض ضعاف الإيمان في مسألة التدرُّج هذه؛ لأن البعض يفهمُها خارج سياقِها بتأويلٍ فاسدٍ بعقله المريض القاصر، ونقولها واضحةً لا لبسَ فيها ولا غموض: ليس المقصودُ بكلمة التدرُّج في الشريعة السَّمْحاء التسويفَ وتأجيلَ التنفيذ في إقامة أحكام الله، وتطبيق شرعه، حاشا لله! بل يُعنى بها أن الله تعالى - برحمته وفضله - يُيسِّر أحكامه على الأمَّة المحمدية الذي ختم برسولها صلى الله عليه وسلم وبالقرآن الرسالةَ والنبوةَ؛ لأنه الدينُ المختار من ربِّ العالمين للبشرية جمعاء، والمهيمن على ما سواه منذ خلق آدم حتى قيام الساعة كما قال تعالى:"إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ" [آل عمران: 19] ، فهو آخر الأديان وليس أولها؛ وذلك لأنه دينٌ متينٌ؛ لما فيه من تعاليم وانضباط يخالف الهوى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن هذا الدين متينٌ؛ فأَوغِلوا فيه برفق ) ) [1] .