وقال - سبحانه - رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ ولم يقل رأيتهم بالإضمار لتسجيل النفاق عليهم، وذمهم به، وللإشعار بعلة الحكم أي: رأيتهم لنفاقهم يصدون عنك صدودا.
وقوله صُدُوداً مصدر مؤكد بفعله أي: يعرضون عنك إعراضا تاما بحيث لا يريدون أن يسمعوا منك شيئا، لأن حكمك لا يناسب أهواءهم.
فذكر المصدر هنا للتأكيد والمبالغة فكأنه قيل: صدودا أي صدود.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت علامة جلية من علامات المنافقين حتى يأخذ المؤمنون حذرهم منهم، وهي أنهم إذا ما دعوا إلى حكم الله الذي يزعمون أنهم آمنوا به، أعرضوا عن هذا الحكم إعراضا شديدا، وظهر بذلك كذبهم ونفاقهم.
ثم يعرض القرآن بعد ذلك مظهرا آخر من مظاهر نفاقهم عند الشدائد والمحن فيقول:
فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ، ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ، إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً.
والفاء في قوله فَكَيْفَ للتفريع. و «كيف» في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف.
والمعنى: فكيف يكون حالهم إذا نزلت بهم النوازل، وأصابتهم المصائب بسبب تركهم حكم الله، واتباعهم حكم الطغيان ثُمَّ جاؤُكَ معتذرين عما حدث منهم من قبائح، والحال أنهم يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ كذبا وزورا إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً أي ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك - يا محمد - إلا إحسانا إلى المتخاصمين، وتوفيقا بينهم حتى لا يتسع الخلاف بينهم، ولم نرد بذلك عدم الرضا بحكمك، فلا تؤاخذنا بما فعلنا.
والاستفهام بكيف هنا للتهويل. أي أن حالهم عند ما تصيبهم المصائب بسبب أفعالهم الخبيثة، ويأتون للرسول صلى الله عليه وسلم معتذرين، ستكون حالا بائسة شنيعة مخزية: لأنهم لا يجدون وجها مقبولا للدفاع عما ارتكبوه من قبائح.
والباء في بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ للسببية. والمراد بما قدمت أيديهم ما اجترحوه من سيئات من أشدها تحاكمهم إلى الطاغوت. وعبر عن ذلك بقوله: بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ: لأن الأيدى مظهر من مظاهر الإنسان.