وتكلّم رَبيعة الرَّأي يوماً فأكثر"وأُعجب بالذي كان منه"وإلى جَنْبه أعرابيٌّ، فالتفتَ إليه، فقال: ما تَعُدّون البلاغةَ يا أعرابيّ؟ قال: قِلّة الكلام وإيجاز الصواب، قال: فما تَعُدّون العِيّ؟ قال: ما كًنت فيه منذُ اليوم. فكأنما أَلْقمه حَجراً.
ومن أمثالهم في البلاغة قولُهم: يُقِلّ الحزّ ويُطبِّق اْلمِفْصل. وذلك أنّهم شَبّهوا البَلِيغ المُوجز الذي يُقل الكلام، ويُصيب الفُصول والمَعاني، بالجزَّار الرَّفيق يًقل حَزّ اللَّحم ويُصيب مَفاصله.
ومثله قولُهم: يَضع الهِناء مواضع النُّقبِ أي لا يتكلّم إلا فيما يجب فيه الكلامُ، مِثْل الَطالِي الرَّفيق الذي يضع الْهناء مواضع النُّقب. وآلْهِناء؛ القطران. والنُّقب: الجَرَب.
وقولهم: قَرْطَس فلان فأصاب الثغرة، وأصاب عَيْن القِرْطاس. كل هذا مَثل للمُصيب في كلامه الموجز في لَفْظه.
"قيل للعَتّابي: ما البلاغة؟ قال: إظهار ما غمَض من الحقّ، وتَصْوير الباطل في صورة الحق."
وقيل لأعرابيّ: مَن أَبلغ الناس؟ قال: أَسْهَلهم لَفظاً وأحسنهم بَدِيهة.
وقيل لآخر: ما البلاغة؟ فقال: نشر الكلام بمعانيه إذا قَصُر، وحُسْن التأليف له إذا طال.
وقيل لآخر: ما البلاغة؟ فقال: قَرْع الحجَّةِ ودُنُوّ الحاجة.
وقيل لآخر: ما البلاغة؟ قال: الإيجاز في غَيْر عَجْز، والإطناب في غَيْر خَطَل.
وقيل لغيره: ما البلاغة؟ قال: إقلال في إيجاز، وصَواب مع سُرعة جواب.
قيل لليُونانيّ: ما البلاغة؟ قال: تَصْحيح الأقسام واختيار الكلام.
وقيل لبعضهم: مَن أبلغ الناس؟ قال: مَن ترك الفُضُول واقتصر على الإيجاز.
وكان يقال: رسولُ الرجل مكان رَأْيه، وكِتَابه مكان عَقله.
وقال جَعفر بن محمد عليه السلام: سُمِّي البليغ بليغاً لأنه يَبلغ حاجتَه بأَهْون سعيه.