إذن فقوله: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} وحَكَّم كل مادتها مثل"الحُكْم"و"التحكيم"و"الحكمة"و"التحكم"وكل هذا مأخوذ من الحَكَمَة وهي حديدة اللجام الذي يوضع في فم الفرس يمنعه به صاحبه أن يشرد ، ويتحكم فيه يميناً ويساراً ، فكذلك"الحِكْمَة"تعوق كل واحد عن شروده في أخذ حق غيره ، فالتحكيم والحكم ، والحكمة ، كلها توحي بأن تضع الشيء في موضعه الصحيح.
وكلمة"شجر"مأخوذة من مادة (الشين والجيم والراء) وإذا رأيتها فافهم أنها مأخوذة من الشجر الذي تعرفه. وهناك نباتات تكبر فيلتصق بعضه ببعض فتتشابك ، كما نرى مثلاً شجراً متشابكاً في بعضه ، وتداخلت الأفرع مع بعضها بحيث لا تستطيع أيها الناظر أن تقول: إن هذه ورقة هذه الشجرة أو ورقة تلك الشجرة. وإذا ما أثمرتا وكانتا من نوع واحد لا تقدر أن تقول: إن هذه الثمرة من هذه الشجرة ، ولا هذه الثمرة من تلك الشجرة ، أي أن الأمر قد اختلط.
"وشجر بينهم"أي قام نزاع واختلاط في أمر ، فأنت تذهب لتفصل هذه الشجرة عن تلك ، وهذه الثمرة عن تلك الثمرة ، وساعة ترى أشجاراً من نوع واحد ، وتداخلت مع بعضها واختلطت ، لا يعينك إن كنت جاني الثمرة أن تكون هذه الثمرة التي قطفتها من هنا أو من هناك ، فأنت تأخذ الثمرة حيث وجدت ، لا يعنيك أن تكون من هذه أو من تلك ، وإن كنت تستظل تحت شجر لا يعنيك أن تعرف هل جاء هذا الظل من ورق هذه الشجرة أو من تلك الشجرة ، فهذه فائدة اختلاط المتساوي ، لكن إذا أردت ورقة شجرة من نوع معين فأنتقيها لأنني أريدها لأمر خاص.