الجواب: عن ذلك من وجهين. أحدهما أن يقال: إن «من» في هذا المكان ليست للتبعيض، إنما هي لتبيين الجنس، كأنه قال: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} . الذين هم هؤلاء كما قال: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} أي:
الرجس الذي هو الأوثان.
الجواب الثاني أن يكون التقييد للتحذير لأنهم وإن علم الله منهم الثبات على ما هم عليه من العمل الصالح، فإنه لا يخليهم من الأمر والنهي والوعد والوعيد على معنى:
دوموا على ما أنتم عليه، فإن من دام منكم عليه فقد وعده الله {مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} .
فإن قال قائل: فلماذا خصت الآية الأولى بأن جعل مفعولها الثاني جملة والآية الثانية مفعولها مفردا؟. قلت: لأن الأولى خطاب لقوم حثهم على توخي العدل فيما يحكمون به، وهو أعم من حث الصحابة الذين ذكرهم في آخر سورة الفتح وأثنى عليهم بالشدة على الكفار والرحمة للمؤمنين وملازمة الركوع والسجود وابتغاء رضوان الله تعالى، وإن مثلهم {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} إلى آخر الآية، فخص هؤلاء بصريح المغفرة، وذكر أنه وعدهم ذلك وقال في الآية الأولى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}
فكان إخبارا عن وعده إياهم فقط، ثم أتى بخبر ثان فقال: {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} على معنى:
إن قاموا بذلك ولم يحبطوه بالسيئات فجوز منهم هذا، ولم يعلق المغفرة بوعد فيعزيه إليها، وفي الآية الثانية حقق المغفرة لهم وعدى الفعل إليها، وكان كالحكم بأنهم يوافون الآخرة بأعمالهم الصالحة، وقد وعدهم الله تعالى عنها المغفرة والأجر العظيم، فلاق بكل آية ما خصت به فاعرفه إن شاء الله.
الآية الثانية منها
قوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} وقال تعالى بعده