فهرس الكتاب
قوله جلَّ ذكره: (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ)
لما ذكر الله - جلَّ جلالُه - أنه أوحى إلى نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -، كما أوحى إلى جميع المرسلين - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - استدرك بحرف (لكن) شهادته العليا بذلك من جَحْدِ من جَحَدَ الحق وعَنَدَ عنه.
وقوله جلَّ قوله: (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) يعني وهو أعلم: ما أساء من علم الغيب بما
كان، وما هو كائن.
ووجه آخر: إنه أنزله بعلم مبينًا عن نعوت الإلهية وحقائق الوحدانية، وأسمائه
الحسنى وصفاته الكاملة العلا، ويخبر عن آياته وشواهده وبيِّناته.
ووجه آخر: إنه أنزله بعلمه؛ أي: بأمره ونهيه، وبما هو المبلغ من معرفة حلاله
وحرامه، والمؤدي إلى رضوانه ومحبته، وما ينجي من غضبه وعذابه.
ووجه آخر: إنه أنزله بعلمه الذي أصحبه إياه حال إنزاله من روح وأمر
وملائكة، وحفظ حقه به حتى أوصله إلى قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى أن جعله قرآنًا عربيًا
على لسانه، ثم ما هو حافظه إلى يوم القيامة، كما قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) .
قال الله: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا(26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) .
إلى آخر السورة، هذه سبل موصلة إلى بعض مقتضيات قوله جل قوله: (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) .
قوله كما: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا(168)
إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا). الظلم في الكفر كثير،
والمقصود الأول منه بالخطاب هو الصد عن السبيل المرتضى، وكما ذنوب الغير
في الإسلام شديدة، وهي اتي لا يتركها الله - جلَّ جلالُه -، وكذلك الصد عن سبيل الله، والفتنة
في الدين للغير على موجب هذه الآية شديد.