{وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى السماوات والأرض} من الموجودات سواء كانت داخلة في حقيقتهما وبذلك يعلم حال أنفسهما على أبلغ وجه وآكده، أو خارجة عنهما مستقرة فيهما من العقلاء وغيرهم ويدخل في ذلك المخاطبون دخولاً أولياً أي كل ذلك له تعالى خلقاً وملكاً وتصرفاً، ولا يخرج من ملكوته وقهره ذرة فما دونها، والجملة دليل الجواب أقيم مقامه لأن مضمونها مقرر قبل كفرهم فلا يصلح للجواب، والتقدير وإن تكفروا فهو سبحانه قادر على تعذيبكم بكفرهم لأن له جل شأنه ما في السماوات والأرض، أو فهو غني عنكم لا يتضرر بكفركم كما لا ينتفع بإيمانكم، وقال بعضهم: التقدير وإن تكفروا فقد كابرتم عقولكم فإن لله سبحانه ما له مما يدل على ما ينافي حالكم واعتقادكم فكيف يتأتى الكفر به مع ذلك، وقيل: التقدير وإن تكفروا فإن عبيداً غيركم لا يكفرون بل يعبدونه وينقادون لأمره ولا يخلو عن بعد.
{وَكَانَ الله عَلِيماً} بأحوال كل ويدخل في ذلك كفرهم دخولاً أولياً {حَكِيماً} في جميع أفعاله وتدبيراته، ويدخل في ذلك كذلك تعذيب من كفر. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 6 صـ}
بعد استفراغ الحِوار مع أهل الكتاب، ثُمّ خطاب أهل الكفر بما هو صالح لأن يكون شاملاً لأهل الكتاب، وجّه الخطاب إلى النّاس جميعاً: ليكون تذييلاً وتأكيداً لما سبقه، إذ قد تهيَّأ من القوارع السالفة ما قامت به الحجَّة، واتّسعت المحَجَّة، فكان المقام للأمر باتّباع الرسول والإيمان.
وكذلك شأن الخطيب إذا تهيّأت الأسماع، ولانت الطباع.
ويسمَّى هذا بالمقصد من الخطاب، وما يتقدّمه بالمقدّمة.
على أنّ الخطاب بيأيُّها النّاس يعني خصوص المشركين في الغالب، وهو المناسب لقوله: {فآمنوا خيراً لكم} .
والتعريف في {الرسول} للعهد، وهو المعهود بين ظهرانيهم.