قال الله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا(167)
بعدوا عن المقصد وعسر عليهم الرجوع، فلذلك لهم نوعان من
العذاب: عذاب لكفرهم، وعذاب لصدهم عن سبيل الله (زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ
بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (88) . غير أن الله جلَّ ذكره بسعة رحمته وعد التائبين
منهم بالمغفرة والقبول مع وجود التوبة منهم أن يعسر مأتاها.
قال الله جلَّ من قائل: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ
عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10) .
وقربت هذه الآية قوله جل من قائل:(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا
فَتَنُوا)بفتح الفاء والتاء (ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(110) .
سبقت رحمته غضبه هذا حكمه على سنن الفضل إنه ذو الفضل
العظيم، وذلك حكمه على سنن الوعيد، وكلّ إلى مشيئته راجع، وما أتى في الكتاب
العزيز وحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهذه سبيله (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ(4) .
قوله سبحانه وله الحمد: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ...)
الغلو: الارتفاع والاستعلاء، وغلوهم في دينهم: أن (قَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ)
تعالى الله جلَّ ذكره عن قبيح افترائهم علوًا كبيرًا.
وقالت الطائفتان معًا: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) .
وقالت النصارى في المسيح ابن مريم - عليه السَّلام - باتحاد اللاهوت بالناسوت،
وأكثرت في ذلك من أنواع الأباطيل، لاختلاف مذاهبها في كيفيته، ذلك بقدر
مقصود عقولها وبصائرها العميَّة، وقالت في مريم وابنها - عليهما السلام - قولا عظيمًا وبهتانًا
مبينًا.
وقالتا معًا: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى)