فقتلت الطائفتان أنبيائهم والآمرين بالقسط من الناس، أشبهت قلوب الطائفتين
قلوب الكفار قبلهما (يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ(30) .
(فصل)
الخلق والأبوة لا يجتمعان لموصوف بهما أبدًا إذ الخالق ليس بأب، ومخلوقه
ليس له بابن، وكل من اتصف بأنه أب فليس بخالق، بل الخالق - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه
وشأنه يصطفي مما يخلق ما يشاء، ويجتبي ويصطنع ويقرب ويختار، ويتخذ منهم
أولياء وأخلاء وأحباء وأصفياء وأنبياء ورسلاً، وكلهم له عبيد أرقاء لا يملكون من
دونه ضرًّا ولا نفعًا، ولا يملكون موتًا ولا حياة ولا نشورًا، هو الأول والآخر
والظاهر والباطن، لا كفؤ له ولا مثل له، ولا شبه ولا عدل له، لا يموت وليس
بموروث، ولا فقير سبحانه وله الحمد كله، الأبوة والبنوة فيما هنالك عدمٌ محضٌ
ومحال باطل.
يقول الله جلَّ من قائل: (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ(59)
وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60) .
وقال جلَّ قوله:(إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى
مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ).
قوله - جلَّ جلالُه -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) .
البرهان: ما صدق قول المتحدي، وهو هنا ما أظهره الله جلَّ ذكره على يدي
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الآيات الدالات على صدقه، وما أنزله في كتابه من الإعجاز
الشاهد على أنه من عند الله، ووصفه له بأنه نور؛ فذلك لأنه يهدي به إلى الصراط
المستقيم، ويكون إمامًا للعامل به نورْا بعد الموت، كذلك قال عز من قائل:(فَأَمَّا
الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ)أي: بالله والكتاب (فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ) ، أي: في الآخرة (و) بعد الموت (يَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا(175)
في هذه الحياة الدنيا.