فهرس الكتاب
أطعمه عن جوع وكساه عن عري، وكانوا يعدلون بالكلم تأويله الذي له، وتنزيله الذي جاء عليه إلى غيره مما هو باطل، و «عن» في هذا الموضع تقرب من معنى «بعد» لأنك تقول أطعمه بعد جوع وكساه بعد عري، إلا أن الأصل في هذا المكان أن يستعمل «عن» لأن «بعد» قد تكون لما تأخر زمانه عن زمانه بأزمنة كثيرة وبزمن واحد، و «عن» لما جاوز الشيء إلى غيره ملاصقا زمنه لزمنه والمراد إذا قال: أطعمه عن جوع وسقاه عن عطش ليس يراد به إلا أنه لما عطش سقاه ولما جاع أطعمه. وأما الآية الثانية فهي في قوم من اليهود أخبر الله تعالى عنهم بأنهم {سَمَّاعُونَ} لما تقوله ليكذبوا عليك ويخبروا بخلاف ما تقوله عنك وينقلوا كلامك إلى قوم آخرين لم يأتوك ومعنى {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} يحتمل أن يكون المراد من بعد موت النبي صلّى الله عليه وسلم ليجعلوه على خلاف ما سمعوه منه وهذا موضع بعد لا موضع عن لأنه ليس يعدوه إلى المحرف إليه فينفصل عما جاء عليه إلى الكذب مقارنا له، وإنما ذلك بعده بأزمنة كثيرة يتوقعون مضيها ليسهل كذبهم بعدها ويكون التقدير {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} أي: ناوون تحريفه من بعد وقوعه مواقعه وحصوله مواضعه، فمحرفين بمعنى: ناوين التحريف كقوله:
{وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً} أي: ناوين السجود، وكذلك {فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} أي: ناوين الخلود ومقدرين له، وهذا ظاهر في هذا الموضع لا يصلح فيه إلا ما نطق القرآن به.