قالَ أبو الحارثِ: قيل لأحمدَ: حديثُ أبي هريرةَ:"من أتى النساءَ في"
أعجازِهِنَّ فقد كفر"فقال: قد رُوي هذا ، ولم يزِدْ على هذا الكلامِ."
وكذا قالَ الزهريُّ ، لمَّا سُئلَ عن قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:"ليس منَّا من لطمَ الخدودَ"
وما أشبهه من الحديثِ - فقالَ: من اللَّه العلمُ ، وعلى الرسولِ البلاغُ ، وعلينا التسليمُ.
ونقلَ عبدوسُ بنُ مالكٍ العطارُ ، عن أحمدَ ، أنه ذكر هذه الأحاديثَ التي
وردَ فيها لفظُ الكفرِ ، فقال: نسلِّمُها ، وإن لم نعرفْ تفسيرَها ، ولا نتكلَّمُ
فيه ، ولا نفسرُها إلا بما جاءتْ.
ومنهم: من فرَّقَ بين إطلاقِ لفظِ الكفرِ ، فجوَّزه في جميع أنواع الكفرِ.
سواء كان ناقلاً عن الملةِ أو لم يكنْ ، وبين إطلاقِ اسم الكافرِ ، فمنعَهُ ، إلا
في الكفرِ الناقلِ عن الملةِ ، لأنَّ اسمَ الفاعلِ لا يُشتقُّ إلا من الفعلِ الكاملِ.
ولذلكَ قالَ في اسم المؤمنِ: لا يقالُ إلا للكاملِ الإيمانِ ، فلا يستحقُّه من
كان مرتكبًا للكبائرِ حال ارتكابِهِ ، وإن كان يقالُ: قد آمنَ ، ومعه إيمان.
وهذا اختيارُ ابنِ قتيبةَ.
وقريبٌ منه: قولُ من قالَ: إنَّ أهل الكتابِ ، يقالُ: إنهم أشركوا ، وفيهم
شِرْكٌ ، كما قال تعالى: (سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) ، ولا يدخلون في
اسم المشركينَ عند الإطلاقِ ، بل يفرَّقُ بينهم وبينَ المشركينِ ، كما في قولِهِ
تعالى: (لَمْ يَكنِ الَّذِينَ كفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكتَابِ وَالْمُشْرِكينَ) ، فلا تدخلُ
الكتابيّةُ في قولِهِ تعالى: (وَلا تَنكِحوا الْمشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) .
وقد نصَّ على ذلك الإمامُ أحمدُ وغيرُهُ.
وكذلك كرِه أكثرُ السلفِ ، أن يقولَ الإنسانُ: أنا مؤمنٌ ، حتى يقولَ: إن
شاءَ اللَّهُ ، وأباحُوا أن يقولَ: آمنتُ باللَّهِ.
وهذا القول حسنٌ ، لولا ما تأوَّله ابنُ عباسٍ وغير في قولِهِ تعالى: