وكإسقاطه عن الصلة في قوله: {أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ} ، أي: يبغونه وبَعْثَه، وعن الصفة في قولك: الناس رجلان: رَجلٌ أكرمتُ، ورجل أهنتُ، أي: أكرمته وأهنته، وعن الحال في قولك: مررت بهند يضرب زيد، أي: يضربها زيد.
وقد جوز فيه وجه آخر، وهو أنك لم تجعل قوله: {يَبْغُونَ} خبرًا، بل تجعله صفة خبر موصوف محذوف، كأنه قيل: أفحكم الجاهلية حكم يبغونه، ثم حذف الموصوف الذي هو حكم، وأقيمت الجملة التي هي صفته مقامه، أعني {يَبْغُونَ} ، وله نظائر في التنزيل وفي كلام القوم نظمهم ونثرهم، وشهرتها تغني عن ذكرها.
وقرئ: {يَبْغُونَ} بالياء النقط من تحته على الإِخبار عنهم، وبالتاء
النقط من فوقه على الخطاب، لقوله: {لَجَعَلَكُمْ} ، {وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ} .
وقوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (من) استفهام بمعنى النفي في موضع رفع بالابتداء، و {أَحْسَنُ} خبره و {حُكْمًا} منصوب على البيان.
قيل: واللام في قوله: {لِقَوْمٍ} للبيان، كاللام في {هَيْتَ لَكَ} أي: هذا الخطاب وهذا الاستفهام {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} ، فإنهم هم الذين يتبينون أن لا أعدلَ من الله، ولا أحسنَ حكمًا منه.
{فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) } :
قوله عز وجل: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} محل {يُسَارِعُونَ} النصب إما على الحال من {الَّذِينَ} إن جعلت (ترى) من رؤية [العين، أو على أنها مفعول ثان إن جعلتها من رؤية] القلب.
والجمهور على التاء في قوله: {فَتَرَى} على أن الفاعل هو المخاطب، وقرئ: (فيرى) بالياء، وفي الفاعل ثلاثة أوجه:
أحدها: مضمر دلت عليه الحال، كأنه قيل: فيرى رائيهم.
والثاني: اسم الله جل ذكره.
والثالث: {الَّذِينَ} .
والمعنى: يرون أن يسارعوا، ثم حذف (أن) فارتفع الفعل، فـ {الَّذِينَ} على هذا الوجه في موضع رفع، وعلى الأوجه المذكورة في موضع نصب.