وإنما دخل فعل الحِسبان على (أن) التي هي للتحقيق؛ لأنهم قطعوا بذلك واعتقدوه دون أن يكونوا نافين للفتنة على سبيل الرجاء والطمع، فلما كان كذلك نزل حسبانهم لقوته في صدورهم وثبوته في نفوسهم منزلة العلم واليقين، كأنه قيل: وعَلِمُوا أنه لا تكون فتنة.
وكان هنا هي التامة، وسَدَّ أن وما اتصل بها مَسَدَّ مفعولي الحِسبان.
{فَعَمُوا} : أصله عَمِيُوا، فاستثقلت الضمة على الياء فأزيلت عنها وحذفت لالتقاء الساكنين هي والواو.
والجمهور على فتح العين والصاد من قوله: {فَعَمُوا وَصَمُّوا} على البناء للفاعل، وقرئ: بضمهما على البناء للمفعول؛ أي: عَمَّاهم الله، وصمَّهم، بمعنى: رماهم وضربهم بالعَمَى والصَّمَم، كما يقال: نزكتُه، إذا ضَرَبْتَهُ بالنيزك، ورَكَبْتُهُ، إذا ضربتَه بركبتك، هذا قول الزمخشري.
وقوله: {كَثِيرٌ مِنْهُمْ} ارتفع {كَثِيرٌ} على أحد ثلاثة أوجه:
إما على البدل من الضمير، أو على أنه فاعل على لغة من قال: أكلوني البراغيث، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: ذلك كثير منهم، أي العَمَى والصَّمَمُ كثير منهم.
{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) } :
قوله عز وجل: {ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} خبر (إن) ، والمعنى: أحد ثلاثة، ولهذا أضيف، ولا يجوز فيه غير الإضافة؛ لأنه لا معنى للفعل فيه.
ولو قلت: زيد ثالث اثنين، ورابع ثلاثة لنصبت؛ لأن فيه معنى الفعل؛ أي: صيرهم ثلاثة وأربعة بنفسه، ويجوز الإِضافة تخفيفًا.
وقوله: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ} ، (مِن) مزيدة لاستغراق الجنس، و {إِلَهٍ} في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف.