فهرس الكتاب
قال الإمام أبو بكر الرازي المعروف بالجصاص المتوفى سنة (370 هـ) في كتابه في تفسير آيات الاحكام: العقد ما يعقده العاقد مع نفسه على أمر يفعله هو، أو ما يعقده مع غيره، ويسمى اليمين على المستقبل عقدا، لأن الحالف قد ألزم نفسه الوفاء بما حلف عليه من فعل أو ترك. وكذلك العهد والأمان، لأن معطيه قد ألزم نفسه الوفاء به. وكذلك كل شرط شرطه الإنسان على نفسه في شيء يفعله في المستقبل فهو عقد. وكذلك النذر وإيجاب القرب وما جرى مجرى ذلك. وقد اشتمل قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) على كل ذلك، وعلى إلزام الوفاء بالعهود والذمم التي نعقدها لأهل الحرب وأهل الذمة والخوارج وغيرهم من سائر الناس، وعلى إلزام الوفاء بالنذور والأيمان. ثم قال: ومتى اختلفنا في جواز عقد من العقود أو فساده أو في صحة نذر ولزومه صح الاحتجاج على جوازه ولزومه بعموم قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا أَوْفوا بِالْعُقُودِ) .
وإذا تعارض الإيفاء بعقد من هذه الأنواع الأربعة مع الإيفاء بعقد آخر منها، وجب على المؤمن أن يوفي بعقده مع ربه، ولا يجب عليه أن يوفى بعقده مع نفسه أو مع غيره إذا كان إيفاؤه بعقد منهما يخل بإيفائه بعقد ربه. فإذا حلف على ما فيه مخالفة أمر ربه فليحنث في يمينه وليوف عقده مع ربه ولا يوف بما حلف عليه؛ ولهذا ورد في الحديث"من حلف على شيء ورأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو خير منه وَلْيُكَفِّر عن يمينه". وإذا عقد عقدا أو شرط شرطا يقضي بتحليل محرم أو تحريم حلال أو التزام بباطل شرعا فعليه أن يوفي بعقده مع ربه ولا يوفي بما يخالفه من عقود وشروط؛ ولهذا ورد في الحديث:"المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا".