فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ} إخْبَارٌ بِأَنَّ مَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فِي اللَّفْظِ فَهُوَ مَبْدُوٌّ بِهِ فِي الْمَعْنَى ، لَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: {نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ} إنَّمَا أَرَادَ التَّبْدِئَةَ بِهِ فِي الْفِعْلِ ، فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ إخْبَارًا بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ بَدَأَ بِهِ فِي الْحُكْمِ مِنْ حَيْثُ بَدَأَ بِهِ فِي اللَّفْظِ.
قِيلَ لَهُ: لَيْسَ هَذَا كَمَا ظَنَنْت ، مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: نَبْدَأُ بِالْفِعْلِ فِيمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فِي اللَّفْظِ ، فَيَكُونُ كَلَامًا صَحِيحًا مُفِيدًا.
وَأَيْضًا لَا يَمْتَنِعُ عِنْدَنَا أَنْ
يُرِيدَ بِتَرْتِيبِ اللَّفْظِ تَرْتِيبَ الْفِعْلِ ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إيجَابُهُ إلَّا بِدَلَالَةٍ ، أَلَا تَرَى أَنَّ (ثُمَّ) حَقِيقَتُهَا التَّرَاخِي ، وَقَدْ تَرِدُ وَتَكُونُ فِي مَعْنَى (الْوَاوِ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا} وَمَعْنَاهُ: وَكَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا ؛ وقَوْله تَعَالَى: {ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ} وَمَعْنَاهُ: وَاَللَّهُ شَهِيدٌ ؛ وَكَمَا تَجِيءُ (أَوْ) بِمَعْنَى (الْوَاوِ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاَللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} وَمَعْنَاهُ: إنْ يَكُنْ غَنِيًّا وَفَقِيرًا ؛ فَكَذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُرِيدَ بِالْوَاوِ التَّرْتِيبَ فَتَكُونَ مَجَازًا وَلَا يَجُوزُ حَمْلُهَا عَلَيْهِ إلَّا بِدَلَالَةٍ
فِي جَوَابِ ابْنِ عَبَّاس السَّائِلَ عَنْ تَقْدِيمِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ.