{مَا يُرِيدُ اللَّهُ} سبحانه وتعالى {لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ} أيها المؤمنون فيما شرعه لكم في هذه الآية، وفي غيرها {مِنْ حَرَجٍ} ؛ أي: حرجًا ما وضيقًا؛ أي: أدنى ضيق وأقل مشقة بما فرض عليكم من الوضوء والغسل والتيمم عند عدم الماء؛ لأنَّه تعالى غني عنكم، رحيم بكم، فلا يشرع لكم إلا ما فيه الخير والصلاح لكم {وَلَكِنْ يُرِيدُ} الله سبحانه وتعالى {لِيُطَهِّرَكُمْ} من الأقذار والرذائل والمنكرات والعقائد الفاسدة، فتكونوا أنظف الناس أبدانًا، وأزكاهم نفوسًا، وأصحهم أجسادًا، وأرقاهم أرواحًا. وقيل المعنى: ليطهر قلوبكم عن صفة التمرد عن طاعة الله تعالى؛ لأنَّ الكفر والمعاصي نجاسات للأرواح، وذلك لأنه تعالى لما أمر العبد بإيصال الماء إلى هذه الأعضاء المخصوصة - وكانت طاهرة - لم يعرف العبد في هذا التكليف فائدة معقولة، فلمَّا انقاد لهذا التكليف .. كان ذلك الانقياد محض إظهار العبودية، فأزال هذا الانقياد عن قلبه آثار التمرد، فكان ذلك طهارة للقلوب والأبدان، {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} فيجمع لكم بين طهارة الأبدان وطهارة الأرواح، والإنسان إنما هو روح وجسد. والصلاة تطهر الروح وتزكي النفس، فهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتعود المصلي مراقبة ربه في السر والعلن، وخشيته حين الإساءة، والرجاء فيه لدى الإحسان، والطهارة التي جعلها الله شرطًا للدخول في الصلاة، ومقدمة لها، تطهر البدن وتنشطه، فيسهل بذلك العمل من عبادة وغيرها، فما أجل نعم الله على عباده! وما أجدر من هدى بهداه بدوام الشكر عليه! ومن ثم ختم الآية الكريمة بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أو المعنى {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} ببيان كيفية الطهارة، وهي نعمة الدين بعد ذكر نعمة الدنيا، وهي إباحة الطيبات من المطاعم والمناكح، أو بالترخيص في التيمم والتخفيف في حال السفر والمرض، فتستدلوا بذلك على أنَّه تعالى يخفف عنكم يوم القيامة، بأن يعفو عن ذنوبكم ويتجاوز عن سيئاتكم {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ؛ أي: وعدكم ذلك لكي تديموا شكره على نعمه الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية.
فصل في ذكر الحكمة في شرع الوضوء والغسل
للوضوء والغسل فوائد أهمها: