ثم ذكر تعالى حكمة مشروعية التيمم وهي التيسير على الناس ودفع الحرج عنهم، فأبان أنه تعالى ما يريد ليجعل عليكم فيما شرعه من أحكام الوضوء والغسل والتيمم في هذه الآية وغيرها حرجا أي أدنى ضيق وأقل مشقة لأنه تعالى غني عنكم، رحيم بكم، فلا يشرع لكم إلا ما فيه الخير والنفع لكم، ولكن يريد ليطهركم من الدنس والرجس المادي بإزالة الأقذار، والرجس المعنوي بطرد الكسل والفتور الحاصل عقب الجنابة، وبعث النشاط، لتكون النفس صافية مرتاحة في مناجاة ربها، ويريد أيضا أن يتم نعمته عليكم بالجمع بين طهارة الأبدان وطهارة الأرواح، وتبيان طريق العبادة الأفضل، لتؤدوا الشكر الواجب عليكم، ولتداوموا شكر النعم التي أنعمها الله عليكم.
ثم ذكّر تعالى بالمناسبة بالنعم الكثيرة التي أنعم بها علينا، فاذكروا أيها المؤمنون نعمة الله بتوفيقكم للإسلام وتشريع هذا الدين العظيم، وإرساله إليكم هذا الرسول الكريم، وما أخذ عليكم من العهد والميثاق الذي عاهدكم به حين بايعتموه عند إسلامكم على السمع والطاعة في المنشط والمكره (المحبة والكره) والعسر واليسر، وعلى متابعته ومؤازرته، والقيام بدينه وإبلاغه عنه وقبوله منه، وتلك هي بيعة العقبة وبيعة الرضوان وغيرهما.
واذكروا أيضا ميثاقه الذي أخذه عليكم وأنتم في عالم الذر على الإيمان بالله
والرسول، إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا أي سمعنا النداء للإيمان وأطعنا الداعي وقبلنا دعوته والتزمنا بالعمل بها، كما قال تعالى: وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ، وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الحديد 57/ 8] .
وَاتَّقُوا اللَّهَ في كل شيء وفي كل حال، ولا تنقضوا العهد والميثاق إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي بخفيات الأمور الكامنة في الصدور المستقرة فيها استقرارا، ويعلم أيضا جليات الأمور، فلا يخفى على الله شيء أظهره الإنسان أو أضمره من الوفاء بالميثاق أو عدم الوفاء، وما تنطوي عليه نفسه من الإخلاص أو الرياء.
فقه الحياة أو الأحكام:
يؤخذ من آية الوضوء والتيمم ما يأتي: