ونقل القرطبي عن البصريين أن قوله (إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) استثناء من (بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ)
وقوله (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) استثناء مما يليه وهو الاستثناء ، وأبطله بأنه يلزم عليه
إباحة الصيد في الحرم لأنه مستثنى من الجرم الذي هو مستثنى من الإباحة.
قال ابن عطية: قد خلط الناس في هذا الموضع في نصب (غَيْرَ) ، وقدروا تقديرات
كلها غير مرضية لأن الكلام على اطراده متمكن استثناء بعد استثناء . اهـ
وقال أبو حيان: إنما عرض الإشكال في الآية حتى اضطرب الناس في تخريجها من
كونه رسم (مُحِلِّي) بالياء ، فظنوا أنه اسم فاعل من أحل ، وأنه مضاف إلى الصيد
إضافة اسم الفاعل المتعدي إلى المفعول ، وأنه جمع حذف منه النون للإضافة وأصله:
غير محلين الصيد ، والذي يزول به الإشكال ويتضح المعنى أن يجعل قوله (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) من باب قولهم: حسان النساء ، والمعنى النساء الحسان ، وكذا هذا
أصله: غير الصيد المحل ، والمحل صفة للصيد لا للناس ، ووصف الصيد بأنه محل إما
على معنى: دخل في الحل ، كما تقول أحل الرجل أي دخل في الحل ، وأحرم الرجل:
دخل في الحرم ، أو على معنى صار ذا حل أي: حلالاً بتحليل اللَّه ، ومجيء (أفعل)
على الوجهين المذكورين كثير في لسان العرب ، فمن الأول: أعرق وأشأم وأيمن
وأنجد وأتمم إذا حلوا هذه المواضع ، ومن الثاني: أعشبت الأرض وأبقلت أي
صارت ذا عشب وبقل ، وكذا أغد البعير وألبنت الشاة وأحرم النخل وأحصد
الزرع وأنجبت المرأة ، وإذا تقرر أن الصيد يوصف بكونه محلاً باعتبار أحد
الوجهين المذكورين من كونه بلغ الحل أو صار ذا حل اتضح كونه استثناء ثانياً ، ولا
يمكن كونه استثناء (من استثناء) لتناقض الحكم لأن المستثنى من المحرم حلال
، ثم إن كان المراد ببهيمة الأنعام أنفسها فهو استثناء منقطع ، أو الظباء ونحوها