وَأَمَّا قَوْلُهُ: {أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ} فَإِنَّهُ يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أَنَّهُ تُقَطَّعُ أَيْدِيهِمْ مُخَالِفًا فِي قَطْعِهَا قَطْعَ أَرْجُلِهِمْ , وَذَلِكَ أَنْ تُقْطَعَ أَيْمَنُ أَيْدِيهِمْ وَأَشْمَلُ أَرْجُلِهِمْ , فَذَلِكَ الْخِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي الْقَطْعِ. وَلَوْ كَانَ مَكَانَ مِنْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى أَوِ الْبَاءِ , فَقِيلَ: أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ خِلَافٌ أَوْ بِخِلَافٍ , لَأَدَّيَا عَمَّا أَدَّتْ عَنْهُ مِنْ مِنَ الْمَعْنَى
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى النَّفْيِ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَنْ يُطْلَبَ حَتَّى يُقْدَرَ عَلَيْهِ , أَوْ يَهْرُبَ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ.
عَنِ السُّدِّيِّ , قَالَ: «يَطْلُبُهُمُ الْإِمَامُ بِالْخَيْلِ وَالرِّجَالِ حَتَّى يَأْخُذَهُمْ , فَيُقِيمَ فِيهِمُ الْحُكْمَ , أَوْ يُنْفَوْا مِنْ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ»
عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ , فِي قَوْلِهِ: {أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} قَالَ: «أُخْرِجُوا مِنَ الْأَرْضِ أَيْنَمَا أُدْرِكُوا , أُخْرِجُوا حَتَّى يَلْحَقُوا بِأَرْضِ الْعَدُوِّ»
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى النَّفْيِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ نَفَاهُ مِنْ بَلْدَتِهِ إِلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى غَيْرِهَا
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى النَّفْيِ مِنَ الْأَرْضِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْحَبْسُ , وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ,
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: مَعْنَى النَّفْيِ مِنَ الْأَرْضِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: هُوَ نَفْيُهُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ غَيْرِهِ وَحَبْسِهِ فِي السِّجْنِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي نُفِيَ إِلَيْهِ , حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ مِنْ فُسُوقِهِ وَنُزُوعُهُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ رَبَّهُ.
وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصِّحَّةَ , لِأَنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرْتُ.