لم يكن الدفن معروفًا للبشرية، قبل هذه الحادثة الأولى، التي راح ضحيتها - لأول مرة - إنسان كان مملوءًا حيوية ونشاطا، فأصبح جثة هامدة يتسرب إليها العفن، ويسرع إليها النتن، ويؤْذي ريحها الأنوف، ويضيق النفوس. والجاني - أَمام جريمته وآثارها - حيران لا يدري كيف يتصرف.
{فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ} :
وحينئذ: أَرسل الله غرابا. وجعله يحفر أَمامه في الأَرض - بمنقاره ورجليه - حفرة ثم أَلقى فيها غرابا آخر ميتا وواراه بالتراب. فعرف قابيل بذلك كيف يواري سوءَة أَخيه.
{قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي} :
أي فنادى - متّحسرا جزعا: يا ويلتا اعجزت عن أن أكون مثل هذا الغراب، فأُواري جثة أَخي. كما وارى الغراب جثة أَخيه!!
{فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} :
على قتله، بعد ما رأَى وعاش في آثار جريمته.
32 - {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ... } الآية.
أَي من أجل فظاعة القتل ظلما، وسوء آثاره في الدنيا والآخرة، قضينا على بني إِسرائيل في كتابهم: أَنَّ من قتل نفسا بغير قصاص في نفس، أَو بغير فساد في الأَرض
يوجب إهدار الدم كالشرك، فكأنما قتل الناس جميعًا؛ لأن الواحد صورة للجماعة، فالجرأة على قتله، استهانة بحق المجتمع كله. وجرأة عليه كله. ومن أحيا نفسا ليس عليها قصاص ولا حدّ - بأَن حال دون قتلها ظلما بالنصيحة أو القوة، أَو أنقذها من التهلكة بنحو غرق أو حرق - فكأَنما أحيا الناس جميعًا.
وفائدة هذا التشبيه: الترهيب والردع من قتل نفس واحدة، بتصويره بصورة قتل جميع الناس، والترغيب والتحضيض إحيائها، بتصويره بصورة إحياء جميع الناس.