فهرس الكتاب
جاءوا إلى الرسول ليحكم بينهم ؛ لأنهم ألفوا أن يبيحوا ما حرم الله بشهوات الدنيا وأخذوا لأنفسهم سلطة زمنية ، وما داموا قد أخذوا لأنفسهم سلطة زمنية أنستهم حكم الله . وأرادوا - على سبيل المثال - أن يخرجوا على حكم الرجم وتخفيفه ، ولذلك ذهبوا إلى النبي ، فإن حكم هو بالتخفيف أخذوا بالحكم المخفف ، وإذا لم يحكم بالتخفيف فهم لن يأخذوا الحكم ، هم ذهبوا إليه صلى الله عليه وسلم بقصد التيسير وقالوا له: أنت تعلم أن لنا سلطاناً وأن لنا نفوذاً ونحن نريد أن تحكم لنا لأنك عندما تحكم لنا سنؤمن بك وبعد ذلك تأتي إليك باقي جماعتنا ليؤمنوا بك ويتبعوك .
لقد رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك تطبيقاً لقول الحق: {فاحكم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} فإذا كان عندهم كتاب التوراة مصوناً من التحريف ، فالرسول يشير عليهم بالحكم الموجود في التوراة ، ولذلك عندما استدعى صلى الله عليه وسلم أعلم علمائهم بالتوراة حاول بعضهم أن يضع يده على السطور التي بها الحكم ؛ فالحكم بما أنزل الله يكون من التوراة إن لم يبدل ، أما إذا كان الحكم قد بدله الناس فالحكم من القرآن ؛ لأن القرآن هو المهيمن . {فاحكم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} لأنهم بهذه الأهواء يريدون أن ييسروا على أنفسهم ليستبقوا لأنفسهم السلطة الزمنية ، ووصفهم الحق: {اشتروا بِآيَاتِ الله ثَمَناً قَلِيلاً} [التوبة: 9]
هم - إذن - يريدون أن يستبدلوا بآيات الله مصلحتهم في الحكم . ويقول الحق: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الحق لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} ، وإن افترضنا أن بعضا من التوراة لم يحرف ، وبه حكم أراد الإسلام أن يبدله ، فأي أمر يتبع؟ إن الاتباع هنا يكون للقرآن لأنه هو المهيمن ، فسبحانه أراد بالقرآن أن يصحح ويعدل ويغير .