أقول: في أي قضية يكون أحد الأطراف فيها مسلما فالحكم إلى القضاء الإسلامي، وفي أي قضية ترافعوا بها إلى محاكمنا فالحكم فيها بما أنزل الله، وهذا الذي استقرّ عليه الأمر. أما في قضاياهم الخاصة فيما بينهم إن أرادوا أن يرجعوا في ذلك إلى علمائهم فنحن لا نتدخّل في ذلك ولكن، لن نعطيهم حق إيجاد قضاء خاص بهم، ثم إن أي اعتداء على النظام العام - فيما هو معتبر جريمة في شريعتنا - لنا حق مقاضاتهم، إلا ما استثنته معاهداتنا ومواثيقنا معهم، أو أصبح علما على أنه من شريعتهم التي قبلنا التعاقد معهم على أن يعطوا حرية فيها.
فصل في الجاهلية:
عند قوله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ؟ يقول صاحب الظلال: «إنّ معنى الجاهلية يتحدد بهذا النص فالجاهلية - كما يصفها الله ويحددها قرآنه - هي حكم البشر للبشر، لأنها هي عبودية البشر للبشر، والخروج من عبودية الله، ورفض ألوهية الله، والاعتراف في مقابل هذا الرفض بألوهية بعض البشر وبالعبودية لهم من دون الله .. إن الجاهلية - في ضوء هذا النص - ليست فترة من الزمان؛ ولكنها وضع من الأوضاع. هذا الوضع يوجد بالأمس، ويوجد اليوم، ويوجد غدا، فيأخذ صفة الجاهلية، المقابلة للإسلام، والمناقضة للإسلام.
والناس - في أي زمان وفي أي مكان - إما أنهم يحكمون بشريعة الله - دون فتنة عن بعض منها - ويقبلونها ويسلّمون بها تسليما، فهم إذن في دين الله. وإما أنهم
يحكمون بشريعة من صنع البشر - في أي صورة من الصور - ويقبلونها فهم إذن في جاهلية؛ وهم في دين من يحكمون بشريعته، وليسوا بحال في دين الله. والذي لا يبتغي حكم الله يبتغي حكم الجاهلية؛ والذي يرفض شريعة الله يقبل شريعة الجاهلية، ويعيش في الجاهلية. وهذا مفرق الطريق، يقف الله الناس عليه. وهم بعد ذلك بالخيار! ثم يسألهم سؤال استنكار لابتغائهم حكم الجاهلية؛ وسؤال تقرير لأفضلية حكم الله.
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ .. وأجل! فمن أحسن من الله حكما؟ ومن ذا الذي يجرؤ على ادّعاء أنه يشرّع للناس، ويحكم فيهم، خيرا مما يشرع الله لهم ويحكم فيهم؟