49 -قوله: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} معطوف على الكتاب؛ أي: وأنزلنا عليك الكتاب والحكم بما فيه، وقد استدل بهذا على نسخ التخيير المتقدم في قوله: {أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} ؛ أي: إنا أنزلنا إليك الكتاب فيه حكم الله وأنزلنا إليك فيه {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ} ؛ أي: بين أهل الكتاب إذا تحاكموا إليك {بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} من القصاص {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} ؛ أي: شهواتهم بالاستماع لهم، وقبول كلامهم، ولو لمصلحة في ذلك، كتأليف قلوبهم وجذبهم إلى الإِسلام، فالحق لا يوصل إليه بطريق الباطل، أي: ولا تتبع أهوائهم في عدم قتل الشريف بالوضيع وعدم قتل الرجل بالمرأة. قال العلماء: ليس في هذه الآية تكرار لما تقدم، وإنَّما أنزلت في حكمين مختلفين: أمَّا الآية الأولى: فنزلت في رجم المحصن، وأن اليهود طلبوا منه أن يجلده، وهذه الآية نزلت في شأن الدماء والديات حين تحاكموا إليه في أمر قتيل كان بينهم. {وَاحْذَرْهُمْ} ؛ أي: واحذر يا محمد هؤلاء اليهود الذين جاؤوا إليك من {أَنْ يَفْتِنُوكَ} ويصرفوك وينزلوك ويصدوك بمكرهم وكيدهم {عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} في كتابه، فيحملوك على ترك العمل به لتحكم بغيره، ويردوك إلى أهوائهم.
أخرج ابن جرير والبيهقي عن ابن عباس قال: قال كعب بن أسيد وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس من اليهود: اذهب وابنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه، فقالوا: يا محمد إنك عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وأنا إن اتبعناك .. اتبعنا يهود ولم يخالفونا، وأنَّ بيننا وبين قومنا خصومة فنخاصمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن لك ونصدقك، فأبى ذلك وأنزل الله عزّ وجل فيهم: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} إلى قوله: {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} كما مرّ ذلك في أسباب النزول، يريد أن الحكمة في إنزال هذه الآية: إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما فعل، والأمر بالثبات على ما سار عليه من التزام حكم الله، وعدم الانخداع لليهود.