الواعظ يذيعه عنه، ولا من أحد من الحاضرين كما يفعله كثير من الأسافل الذين لا يحضرون مجالس الخير إلا لذلك.
روى الإمام أحمد، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"مَثَلُ الَّذِي يَجْلِسُ يَسْمَعُ الحِكْمَةَ وَلا يُحَدِّثُ عَنْ صاحِبِهِ إِلَّا بِشَرِّ مَا سَمِعَ، كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى رَاعِيًا فَقَالَ: يَا رَاعِي! اجْزُرْ لِي شَاةً مِنْ غَنَمِكَ، قَالَ: اذْهَبْ فَخُذْ بِأُذُنِ خَيْرِهَا شَاةً، فَذَهَبَ فَأَخَذَ بِأُذُنِ كَلْبِ الغَنَمِ".
وروى ابن جهضم عن يحيى بن معاذ الرَّازي رحمه الله تعالى قال: لا يحضر مجالس الذِّكر إلا ثلاثة: راغب، وطالب، وعائب.
فالراغب يريد بحضوره ما عند الله تعالى.
والطَّالب يريد بحضوره العلم والأدب.
والعَّائب يريد بحضوره إصابة عيب فيذيعه.
فلباب المجلس للرَّاغب، وفوائده للطَّالب، ووباله للعائب.
الثاني عشر: أن يعمل بما وُعِظَ به، ولا يقنع برقة قلبه ودمعة عينه في المجلس، فإذا قام منه نسي ما كان فيه، فإنما ثمرة العلم العمل.
قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [سورة النساء: 66 - 68] .
وقوله: {تَثْبِيتًا} [سورة النساء: 66] ، أي: تصديقًا، كما رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي.
وفي الآية دليل على أن العمل بالموعظة التي يسمعها العبد تفيده زيادة الإيمان، والأجر العظيم في الآخرة، والتوفيق لعملٍ آخر صالح في الدنيا.
وأسعد الحاضرين بالمواعظ والقصص من كان بعد قيامه من المجلس أزهد منه في الدنيا قبل حضوره، وأرغب في الآخرة.
وروى الدينوري في"المجالسة"عن جعفر قال: كنت إذا أصبت من قلبي قسوة أتيت محمَّد بن واسع رحمه الله تعالى فنظرت إليه نظرة.
قال: فكنت إذا رأيت وجهه رأيت وجه ثَكْلى.
قال: وسمعته يقول: أخوك من وعظك برؤيته قبل أن يعظك بكلامه.