والثاني أقاموها نصب أعينهم؛ لئلا يزلوا في شيء من حدودها، والأول الوجه، {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ} ، يعني القرآن في قول ابن عباس وغيره.
وقيل: يعني كتب أنبيائهم، أي لو عملوا بما في هذه الكتب وأظهروا ما فيها من ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -، {لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} ، قال ابن عباس: يريد لأنزلت عليهم القطر وأخرجت لهم من نبات الأرض كل ما أرادوا، وهذا قول المفسرين.
وقال أهل المعاني: هذا على وجه التوسعة، لا على أن هناك فوق أو تحت، والمعنى: لأكلوا أكلًا متصلًا كثيرًا، فذكر فوق وتحت للمبالغة فيما ينالون وما يفتح عليهم من الدنيا، كما يقول القائل: فلان في خير من قرنه إلى قدمه، يريد تكاثف الخير وكثرته عنده، وهذا قول الفراء، والزجاج، وابن الأنباري.
قال الزجاج: قد دل الله تعالى بهذا على ما أصابهم من الجدب مما عاقبهم به حتى شكوا ذلك بقولهم: يد الله مغلولة. وأعلم أن التقى سبب التوسعة في الرزق، وهذا كقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا} الآية [الأعراف: 96] وقال: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2] ، وقال في قصة نوح: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ} [نوح:10 - 11] .
وقوله تعالى: {مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ} ، قال عطاء: يريد قومًا أسلموا من اليهود والنصارى.
وقال السدي: {أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ} مؤمنة.
وقال ابن عباس: هم العادلة غير الغالية ولا الجافية، ومعنى الاقتصاد في اللغة: الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير، وأصله من القصد، وذلك أن القاصد إلى الشيء الذي يعرف مكانه، خلاف الطالب المتحير في طلبه، فهو يمر على الاستقامة إليه، وليس كالمتحير فيه، فالاقتصاد الاستواء في العمل المؤدي إلى الغرض.
وقوله تعالى: {سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} ، يقول: بئس شيئًا عملهم، قال ابن عباس:"عملوا القبيح وما لا يرضي الله مع التكذيب بالنبي - صلى الله عليه وسلم -". انتهى انتهى {التفسير البسيط. 7/ 452 - 467} .