وَجَعَلَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ ذَلِكَ عَامًّا ، عَمَلًا بِظَاهِرِ اللَّفْظِ ، دُونَ السِّيَاقِ وَالْقَرِينَةِ وَالْأَسْبَابِ وَالْعِلَلِ ، فَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: كُلَّمَا أَرَادُوا مُحَارَبَةَ أَحَدٍ غُلِبُوا وَقُهِرُوا ، وَلَمْ يَقُمْ لَهُمْ نَصْرٌ مِنَ اللهِ عَلَى أَحَدٍ قَطُّ - ثُمَّ قَالَ - وَقِيلَ كُلَّمَا حَارَبُوا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُصِرَ عَلَيْهِمْ ، انْتَهَى . وَمَا اخْتَرْنَاهُ أَظْهَرُ .
وَمِنَ الْمَفْصَّلِ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يُغْرُونَ الْمُشْرِكِينَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ ، وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ سَعَى لِتَحْرِيضِ الرُّومِ عَلَى غَزْوِهِمْ ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، وَيُئْوِي أَعْدَاءَهُمْ وَيُسَاعِدُهُمْ ; كَكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ .
وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ مُقَاوَمَةِ الْيَهُودِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ كَانَ سَبَبُهُ الْحَسَدَ وَالْعَصَبِيَّةَ ، وَتَوَقَّعَ الْأَحْبَارُ وَالرُّؤَسَاءُ إِزَالَةَ الْإِسْلَامِ لِمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ الِامْتِيَازِ بَيْنَ الْعَرَبِ فِي الْحِجَازِ ، مِنْ مَكَانَةِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ ; إِذْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَحْتَرِمُونَهُمْ لِكَوْنِهِمْ أَهْلَ كِتَابٍ وَعِلْمٍ ، وَإِنْ
لَمْ يَدِينُوا بِدِينِهِمْ ، فَكَانَتْ عَدَاوَتُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَدَاوَةً سِيَاسِيَّةً جِنْسِيَّةً ، لَيْسَتْ مِنْ طَبِيعَةِ الدِّينِ وَلَا مِنْ رُوحِهِ ; وَلِذَلِكَ كَانَ ضَلَعُ الْيَهُودِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي الشَّامِ وَالْأَنْدَلُسِ