ولعله من أجل ذلك قص الله تاريخ بني إسرائيل على الأمة المسلمة في تفصيل وتطويل.. لعلها تتقي أن تكون كبني إسرائيل ؛ ولعلها تحذر مزالق الطريق ، أو لعل الواعين منها الموصولين بالله يدركون هذه المزالق ؛ أو يتأسون بأنبياء بني إسرائيل حين يصادفون ما صادفوا وأجيال من ذراري المسلمين تنتهي إلى ما انتهى إليه بنو إسرائيل ، حين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم ؛ فتحكم الهوى ؛ وترفض الهدى ، وتكذب فريقاً من الدعاة إلى الحق ، وتقتل فريقاً ؛ كما صنع بغاة بني إسرائيل ، في تاريخهم الطويل!
لقد صنع بنو إسرائيل تلك الآثام كلها ؛ وهم يحسبون أن الله لن يفتنهم بالبلاء ، ولن يأخذهم بالعقاب. حسبوا هذا الحسبان غفلة منهم عن سنة الله ؛ وغروراً منهم بأنهم"شعب الله المختار"!
{وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا} ..
طمس الله على أبصارهم فلا يفقهون مما يرون شيئاً ؛ وطمس على مسامعهم فلا يفيدون مما يسمعون شيئاً..
{ثم تاب الله عليهم} ..
وأدركهم برحمته.. فلم يرعووا ولم ينتفعوا:
{ثم عموا وصموا. كثير منهم..}
{والله بصير بما يعملون} ..
وهو مجازيهم بما يراه ويعلمه من أمرهم.. وما هم بمفلتين..
ويكفي أن يعرف الذين آمنوا هذا التاريخ القديم عن يهود ، وهذا الواقع الجديد ؛ لتنفر قلوبهم المؤمنة من ولائهم ، كما نفر قلب عبادة بن الصامت ؛ فلا يتولاهم إلا المنافقون من أمثال عبدالله بن أبي بن سلول!
ذلك شأن اليهود من أهل الكتاب.. فأما شأن النصارى فيبينه السياق القرآني في حسم وتوكيد يتمشيان مع طبيعة السورة ؛ وطبيعة الموقف الذي تعالجه..
ولقد سبق في سياق السورة وصف الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم بالكفر. فالآن يكرر هذا الوصف ، سواء لمن قالوا: إن الله ثالث ثلاثة ، ومن قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم.