فهرس الكتاب
وَلَمَّا كَانَ مِنْ دَأْبِ أَهْلِ الْغَفْلَةِ وَالْجَهْلِ وَالْغُرُورِ بِالْكَثْرَةِ مُطْلَقًا ، قَالَ تَعَالَى تَعْقِيبًا عَلَى مَا أَثْبَتَهُ مِنْ تَفْضِيلِ الطَّيِّبِ عَلَى الْخَبِيثِ وَإِنْ كَثُرَ الْخَبِيثُ: (فَاتَّقُوا اللهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أَيْ فَاتَّقُوا اللهَ يَا أَصْحَابَ الْعُقُولِ الرَّاجِحَةِ وَلَا تَغْتَرُّوا بِكَثْرَةِ الْمَالِ الْخَبِيثِ وَلَا بِكَثْرَةِ أَهْلِ الْبَاطِلِ وَالْفَسَادِ مِنَ الْخَبِيثِينَ ، فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ تَعَالَى هِيَ الَّتِي تَنْظِمُكُمْ فِي سِلْكِ الطَّيِّبِينَ ، فَيُرْجَى لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنَ الْمُفْلِحِينَ ، أَيْ فَائِزِينَ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
وَإِنَّمَا خَصَّ أُولِي الْأَلْبَابِ بِالذِّكْرِ فِي عَجُزِ الْآيَةِ بَعْدَ مُخَاطَبَةِ كُلِّ مُكَلَّفٍ فِي صَدْرِهَا لِأَنَّ أَهْلَ الْبَصِيرَةِ وَالرَّوِيَّةِ مِنَ الْعُقَلَاءِ هُمُ الَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهَا أَوَائِلُهَا وَمُقَدِّمَاتُهَا ، بَعْدَ التَّأَمُّلِ فِي حَقِيقَتِهَا وَصِفَاتِهَا ، فَلَا يُصِرُّونَ عَلَى الْغُرُورِ بِكَثْرَةِ الْخَبِيثِ بَعْدَ التَّنْبِيهِ وَالتَّذْكِيرِ ، وَأَمَّا الْأَغْرَارُ وَالْغَافِلُونَ الَّذِينَ لَمْ يُمَرِّنُوا عُقُولَهُمْ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ فِي النَّظَرِ