94 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} بالله ورسوله {لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ} سبحانه وتعالى؛ أي: وعزتي وجلالي لأختبرنكم في حال إحرامكم بالحج أو العمرة {بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ} ؛ أي: بإرسال شيء من الصيد البري المأكول عليكم {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} ؛ أي: يسهل عليكم أخذ صغاره بأيديكم؛ كالطيور، وطعن كباره برماحكم كالوحوش.
قال ابن عطية: والظاهر أن الله خص الأيدي بالذكر؛ لأنها أعظم تصرفًا في الاصطياد، وفيها تدخل الجوارح والحبالات وما عمل باليد من فخاخ وشباك، وخص الرماح بالذكر؛ لأنها أعظم ما يجرح به الصيد، وفيها يدخل السهم ونحوه. واحتج بعض الناس بهذه الآية على أن الصيد للآخذ لا للمثير؛ لأن المثير لم تنل يده ولا رمحه بعد شيئًا. انتهى.
وقال الصاوي: وهذا الابتلاء نظير ابتلاء الله قوم موسى بتحريم صيد السمك يوم السبت، ولكن الله حفظ هذه الأمة المحمدية من الوقوع فيما يخالف أمر ربهم، فتم لها السعد والعزُّ في الدنيا والآخرة، وأما أُمة موسى، فتعدوا واصطادوا: فمسخوا قردة وخنازير. انتهى.
ووجه الابتلاء في ذلك: أن الصيد طعام لذيذ تشتد الحاجة إليه في الأسفار الطويلة؛ كالسفر إلى الجهات النائية، وأن سهولة تناوله تغري به؛ إذ ترك ما لا ينال إلا بمشقة لا يدل على التقوى والخوف من الله، كما يدل عليه ترك ما ينال بسهولة.
قال البيضاوي: نزلت في عام الحديبية، ابتلاهم الله سبحانه وتعالى بالصيد، وكانت الوحوش تغشاهم في رحالهم بحيث يتمكنون من صيدها أخذًا بأيديهم وطعنًا برماحهم وهم محرمون، والتقليل والتحقير في {بِشَيْءٍ} للتنبيه على أنه ليس من العظائم التي تدحض الأقدام، كالابتلاء ببذل الأنفس والأموال، فمن لم يثبت عنده .. كيف يثبت عند ما هو أشد منه.
وقرأ النخعي وابن وثاب: {يناله} بالياء التحتانية. والجملة من قوله: {تَنَالُهُ} في موضع الصفة لقوله: {بِشَيْءٍ} ، أو في موضع الحال منه؛ لأنه قد وصف.