فهرس الكتاب
إن قلتَ تلك الأشياءُ غير مُوجبةٍ للمَساءة ألبتةَ ، بل هي محتمِلةٌ لإيجاب المَسرَّة أيضاً ، لأن إيجابَها للأولى إن كانت من حيث وجودُها فهي من حيث عدمُها موجبةٌ للأخرى قطعاً ، وليست إحدى الحيثيتَيْن محقّقةً عند السائل وإنما غَرَضُه من السؤال ظهورُها كيف كانت ، بل ظهورُها بحيثية إيجابها للمَساءة؟ قلتُ: لتحقيق المنهيِّ عنه كما ستعرِفه مع ما فيه من تأكيد النهْي وتشديدِه ، لأن تلك الحيثيةَ هي الموجبةُ للانتهاء والانزجار ، لا حيثيةُ إيجابِها للمسرة ولا حيثيةُ تردّدِها بين الإيجابين.
إن قيل: الشرطية الثانية ناطقةٌ بأن السؤالَ عن تلك الأشياء الموجبة للمساءة مستلزمٌ لإبدائها ألبتةَ كما مر فلمَ تخلَّفَ الإبداءُ عن السؤال في مسألةِ الحج حيث لم يُفرَضْ في كل عام؟ قلنا: لوقوع السؤال قبل ورودِ النهي ، وما ذُكر في الشرطية إنما هو السؤال الواقعُ بعد وروده ، إذ هو الموجبُ للتغليظ والتشديد ولا تخلُّفَ فيه ، إن قيل: ما ذكرتَه إنما يتمشى فيما إذا السؤالُ عن الأمور المترددةِ بين الوقوع وعدمِه كما ذُكرَ من التكاليف الشاقةِ ، وأما إذا كان عن الأمور الواقعةِ قبله فلا يكادُ يتسنّى ، لأن ما يتعلق به الإبداءُ هو الذي وقع في نفس الأمرِ ولا مرد له ، سواء كان السؤالُ قبل النهي أو بعده ، وقد يكون الواقع ما يوجب المسرةَ كما في مسألة عبدِ اللَّه بنِ حذافةَ ، فيكون هو الذي يتعلق به الإبداءُ لا غيرُ ، فيتعين التخلُّفُ حتماً ، قلنا: لا احتمالَ للتخلف فضلاً عن التعيُّن ، فإن المنهيَّ عنه في الحقيقة إنما هو السؤالُ عن الأشياء الموجبةِ للمَساءة الواقعةِ في نفس الأمر قبل السؤال ، كسؤال من قال: أين أبي؟ لا عما يعُمُّها وغيرَها مما ليس بواقع ، لكنه محتمِلٌ للوقوع عند المكلفين حتى يلزمَ التخلّفُ في صورةِ عدم الوقوع.