وَثَانِيهَا: لَعَلَّهُ يُثْبِتُ سَائِرَ الْمُعْجِزَاتِ، إِلَّا أَنَّ الْقَوْمَ الْتَمَسُوا منه هذه المعجزات نَفْسَهَا عَلَى سَبِيلِ الِاقْتِرَاحِ، فَأَظْهَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ، فَلِهَذَا الْمَعْنَى حَسُنَ هَذَا التَّخْصِيصُ.
«فَإِنْ قِيلَ» : مَا الْفَائِدَةُ فِي تَخْصِيصِ تِلْكَ النَّاقَةِ بِأَنَّهَا نَاقَةُ اللَّهِ؟
قُلْنَا: فِيهِ وُجُوهٌ: قِيلَ أَضَافَهَا إِلَى اللَّهِ تَشْرِيفًا وَتَخْصِيصًا كَقَوْلِهِ: بَيْتُ اللَّهِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ خَلَقَهَا بِلَا وَاسِطَةٍ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا لَا مَالِكَ لَهَا غَيْرُ اللَّهِ.
وَقِيلَ: لِأَنَّهَا حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى الْقَوْمِ.
(فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يَا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ(77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (78)
وهاهنا سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا حَكَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قالوا: (يَاصالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ)
قَالَ تَعَالَى: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّجْفَةَ أَخَذَتْهُمْ عَقِيبَ مَا ذَكَرُوا ذَلِكَ الْكَلَامَ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: (فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) [هُودٍ: 65] ؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الَّذِي يَحْصُلُ عَقِيبَ الشَّيْءِ بِمُدَّةٍ قَلِيلَةٍ قَدْ يُقَالُ فِيهِ إِنَّهُ حَصَلَ عَقِيبَهُ فَزَالَ السُّؤَالُ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: طَعَنَ قَوْمٌ مِنَ الْمُلْحِدِينَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ بِأَنَّ أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ قَدِ اخْتَلَفَتْ فِي حِكَايَةِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ، وَهِيَ الرَّجْفَةُ وَالطَّاغِيَةُ وَالصَّيْحَةُ، وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ التَّنَاقُضَ؟
وَالْجَوَابُ: قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: الطَّاغِيَةُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا تَجَاوَزَ حَدَّهُ سَوَاءٌ كَانَ حَيَوَانًا أَوْ غَيْرَ حَيَوَانٍ وَأَلْحَقَ الْهَاءَ بِهِ لِلْمُبَالَغَةِ، فَالْمُسْلِمُونَ يُسَمُّونَ الْمَلِكَ الْعَاتِيَ بِالطَّاغِيَةِ وَالطَّاغُوتِ.