«فَإِنْ قِيلَ» : الخَلْفُ واحد، فكيف قال: (يَأْخُذُونَ) وكذلك قال في (مريم) (أَضاعُوا) ؟
فقد ذكر ابن الأنباري عنه جوابين:
أحدهما: أن الخَلْف جمع خالف، كما أن الركب جمع راكب، والشَّرْب جمع شارب.
والثاني: أي الخَلْف مصدر يكون للاثنين والجميع، والمذكر والمؤنث.
قوله تعالى: (مِنْ ظُهُورِهِمْ) بدل من (بَنِي آدَمَ) .
وقيل: إنما قال: مِنْ ظُهُورِهِمْ ولم يقل: من ظهر آدم، لأنه أخرج بعضهم من ظهور بعض، فاستغنى عن ذكر ظهر آدم لأنه قد علم أنهم بنوه، وقد أُخرجوا من ظهره.
قوله تعالى: (جعلا له شركاء)
عائد إلى النفس وزوجه من ولد آدم، لا إلى آدم وحواء.
وقيل: الضمير راجع إلى الولد الصالح، وهو السليم الخلْق، فالمعنى: جعل له ذلك الولدُ شركاء.
وإنما قال: «جعلا» لأن حواء كانت تلد في كل بطن ذكراً وأُنثى.
قال ابن الأنباري: الذين جعلوا له شركاء اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار الذين هم أولاد آدم وحواء.
فتأويل الآية: فلما آتاهما صالحاً، جعل أولادُهُما له شركاء، فحذف الأولاد وأقامهما مقامهم كما قال: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) .
وذهب السدي إلى أن قوله: (فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) في مشركي العرب خاصة، وأنها مفصولة عن قصة آدم وحوّاء.
قوله تعالى: (أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ(191)
قال ابن الأنباري: وإنما قال: «ما» ثم قال: «وهم يُخلَقون» لأن «ما» تقع على الواحد والاثنين والجميع وإنما قال: «وهم» وهو يعني الأصنام، لأن عابديها أدّعَوا أنها تعقل وتميِّز، فأجريت مجرى الناس، فهو كقوله تعالى: (رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ) ، وقوله تعالى: (يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ) ، وقوله تعالى: (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) ، قال الشاعر:
تمزَّزْتُها والدِّيكُ يَدْعُو صَبَاحَهُ ... إذَا مَا بَنُو نَعْشٍ دنَوْا فتصوَّبُوا
وأنشد ثعلب لعبدة بن الطبيب: