وإنَّما سُمِّي العذابُ مَكْراً على جهةِ الاتِّساعِ والمَجَازِ؛ لأن الْمَكْرَ يَنْزِلُ بالممكورِ مِنْ الْمَاكِرِ من حيثُ لا يشعرُ، وأما الْمَكْرُ الذي هو الاحتيالُ للإظهارِ بخلاف الإضمار؛ فذلك لا يجوزُ على اللهِ.
فإن قِيْلَ: أليسَ الأنبياءُ قد أمِنُوا عذابَ اللهِ وليسوا مِن القوم الخاسرينَ؟
قِيْلَ: معنى الآيةِ: لا يَأْمَنُ عذابَ اللهِ من المذْنبين. والأنبياءُ صَلَواتُ اللهِ عليهمِ لا يَأْمَنُونَ عذابَ الله على المعصيةِ؛ ولِهذا لا يَعْصُونَ بأنفسِهم.
(قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ(115) قَالَ أَلْقُوا ... (116)
فإن قِيْلَ: كيف يجوزُ مِن موسَى عليه السلام أن يأمرَهم بالإلْقَاءِ؛ وكان إلقاؤُهم إرادةً منهم مُغَالَبَةَ موسى؛ وذلك كُفْرٌ؛ ولا يجوزُ على الأنبياءِ أن يأمرُوا بالكفرِ؟
قِيْلَ: معناهُ: ألقُوا إنْ كنتم مُحِقِّيْنَ على زعمِكم.
ويجوزُ أن يكون أمَرَهُم بالإلقاءِ لتأكيدِ مُعْجِزَتِهِ.
(وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(150)
فإنْ قِيْلَ: لِمَ جازَ لموسى أن يُجرَّ برأسِ هارون ولحيتهِ، والأنبياءُ لا يجوز لأحدٍ أن يستخفَّ بهم، وكان هارونُ نبيّاً؟
قِيْلَ: إنَّ هذا كان منهُ على جهةِ العِتَاب لا على جهةِ الْهَوَانِ. وَقِيْلَ: لأنه أجراهُ مجرَى نفسهِ من حيث أنَّهما كاناَ في النبوَّةِ والأُخوَّةِ كالنفسِ الواحدة، وقد يقبضُ الإنسانُ عند الغَيْظِ على لحيةِ نفسه، ويعُضُّ إبْهامَيْهِ وشَفَتيه، كما رُوي (أنَّ عُمَرَ رضي الله عنه كَانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَتَلَ شَاربَهُ) .