وقوله: بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أي بين يدي المطر الذي هو من أبرز مظاهر رحمة الله بعباده.
قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ.
وقال تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ.
قال الإمام الرازي: وقوله: بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ من أحسن أنواع المجاز، والسبب في ذلك أن اليدين يستعملهما العرب في معنى التقدمة على سبيل المجاز. يقال: إن الفتن تحصل بين يدي الساعة يريدون قبيلها، كذلك مما حسن هذا المجاز أن يدي الإنسان متقدمة، فكل ما كان يتقدم شيئا يطلق عليه لفظ اليدين على سبيل المجاز لأجل هذه المشابهة، فلما كانت الرياح تتقدم المطر، لا جرم عبر عنه بهذا اللفظ».
وقوله: حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ حتى: غاية لقوله: يُرْسِلُ.
وأقلت: أي حملت. وحقيقة أقله وجده قليلا ثم استعمل بمعنى حمله. لأن الحامل لشيء يستقل ما يحمله بزعم أن ما يحمله قليل.
وسَحاباً أي: غيما، سمى بذلك لانسحابه في الهواء، وهو اسم جنس جمعى يفرق بينه وبين واحده بالتاء كتمر وتمرة، وهو يذكر ويؤنث ويفرد وصفه ويجمع.
وثِقالًا جمع ثقيلة من الثقل - كعنب - ضد الخفة. يقال: ثقل الشيء - ككرم - ثقلا وثقالة فهو ثقيل وهي ثقيلة.
والمعنى: أن الله - تعالى - هو الذي يرسل الرياح مبشرات بنزول الغيث، حتى إذا حملت
الرياح سحابا ثقالا من كثرة ما فيها من الماء، سقناه - أي السحاب إلى «بلد ميت» أي إلى أرض لا نبات فيها ولا مرعى، فاهتزت وربت وأخرجت النبات والمرعى. فأطلق - سبحانه - الموت على الأرض التي لا نبات فيها، وأطلق الحياة على الأرض الزاخرة بالنبات والمرعى لأن حياتها بذلك.
قال - تعالى -: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ، فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ.
وقوله: فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ أي: فأنزلنا في هذا البلد الميت الماء الذي يحمله السحاب. فالباء في بِهِ للظرفية.