قوله تعالى: {تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ... (74) }
ولم يقل: من جبالها؛ لأن الجبال ليست من الأرض.
قوله تعالى: (مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) .
أي: من دليل فيستفاد منها ذم التقليد، وأجيب بأنهم في محل المجادلة والمخاصمة؛ والمجادل لَا بد له من دليل، بخلاف المقلد فإِنه لَا يجادل.
قوله تعالى: (وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) .
أي: آخرهم؛ فدل على قطع أولهم من باب أحرى.
قوله تعالى: (وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ) .
قال الزمخشري: إن قلت: ما فائدة قوله تعالى: (كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) ؟ فأجاب بأنه تعويض بمن آمن بهم؛ أي ولم يكذبوا، مثل: من آمن بهم.
وأجاب ابن عرفة بثلاثة أوجه: يتناول الآية من لم يحرم بالكذب ولكنه بقي شاكا فهو أيضا غير مؤمن، وإن كان غير مكذب.
الثاني: أن التكذيب يتناول من كذب الرسل وهو مؤمن بالله موحد، وهؤلاء كانوا مشركين بالله، حسبما (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) فأفاد قوله تعالى: (وَمَا كَانُوا مُؤمِنِينَ) أنهم كذبوا الرسل ولم يؤمنوا بالله.
الثالث: أن المراد ولم يكونوا قابلين إلى الإيمان فأخر عنهم العذاب حتى آمنوا به؛ لأن قوله: وما كان زيد ليؤمن يدل على نفي قبوله، فدلت الآية بمفهومها على أن من كذب وكان قابلا إلى الإيمان لم يقطع دابره.
قوله تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78) }
فجمع الديار مع الصيحة وأفردها مع الرجفة.
قال ابن عرفة: تقدمها الجواب بأن الصيحة إنما تنال قلوبهم فتحدث فيها تقطعا، والرجفة تنال أبدانهم، وأماكنهم فتزلزل الأرض، وهي مسببة؛ فما كانت تنال إلا قلوبهم خاصة. لأنها لَا تسمع ولا تعقل، وجمع الديار فهي تنال كل واحد في داره على حدته، ولما كانت الرجفة راجعة لأبدانهم وأماكنهم فتزلزل وتخرب حتى تصير كأنها دار واحدة بعد موت، واختلاطها أفرد الديار.
قلت: ونقل ابن عبد السلام إلى أنه أجاب بأن الرجفة عقوبة أرضية؛ فنسبت الديار إليها نسبة واحدة، والصيحة عقوبة سماوية فتخص كل دار على حدتها.
وأجاب صاحب درة التنزيل بأن الآية التي جمعت فيها الديار، وذكر فيها نجاة النبي وقومه، ولا شك أنهم كانوا يجتمعون لأجله ليسمعوا قوله، ويختبروا أحواله، فلما ذهب المعنى الذي لأجله كانوا يجتمعون فرقوا في البلاد، فناسب جمع الديار، والآية التي أفردت فيها الرجفة لم يذكر فيها نجاة النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا لم يزل النبي بين أظهرهم لم يزالوا مجتمعين، فكأنهم في دار واحدة، وعذابهم في ذلك عذاب واحد. انتهى انتهى {تفسير ابن عرفة. 2/ 232 - 233} ...