فهرس الكتاب
ويتبع المسافر نصائح من أرشده ، فيجده صادقاً ، فيرتاح من بعد ذلك لرأيه ، وكذلك أهل الصفاء ، هم أهل العطاء ، وعلى قدر صفائهم يكون هذا العطاء . والذي يشجع الناس الذين يبالغون في التعبد هو هذا الإشراق ، وهناك من يصف الواحد منهم بأنه مجذوب وإن من يطلق على المتعبد الزاهد هذا الوصف يرى المنزلة العالية وهي تشد هذا المتعبد إليها ، وهو من جهة أخرى ينظر هذا الزاهد إلى من يتعثرون في طلب الدنيا ، ويصفهم بينه وبين نفسه بأنهم من"الغلابة"ويدعو لهم .
وأقول لمن يرى واحداً من هؤلاء: لا شأن لك بأي إنسان من هؤلاء وإياك أن تتعرض لهم واتركهم في حالهم ، ما دام الواحد منهم لا يسألك شيئا . {لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ} .
والدرجات عند البشر هي ارتقاءات يسعى إليها ، فما بالنا بالدرجات التي عند الرب؟ وما دام الله سبحانه وتعالى قد وعدهم بالدرجات العالية عنده فقد ضمنوا المغفرة ؛ لأن الواحد منهم سيطهر بالمغفرة ، وجاء الحق بعطاء الدرجات قبل المغفرة لأنه سبحانه خلق الخلق ويعرف أنهم أهل أغيار ، ويعلم أن هناك من أسرفوا على أنفسهم ، ويحاولون فعل الخيرات لأنهم يؤمنون بأن الحسنات يذهبن السيئات ، وسبحانه علمنا أن معالم الدين تأخذ حظها من المسرفين على أنفسهم ، لأن من لم يسرف على نفسه تجده يطيع الله طاعة هادئة رتيبة فليس وراءه ما يلهب ظهره .