ونبهت الآيات الكريمة إلى أن الحكمة الإلهية في جعل الحكم في الغنائم موكولا إلى الله ورسوله هو تنقية الجو من كل ما يؤدي إلى فساد ذات البين بين الإخوة المجاهدين، وحمايتهم من عوامل الشقاق والنزاع، إذ متى كان الحكم في أمر من الأمور صادرا عن الله ورسوله، فلن يسع المؤمنين أجمعين إلا طاعة حكمهما، والائتمار بأمرهما، ومن شأن المؤمن إذا ذكر الله أمامه أن يخشع ويلين، ويخضع لحكمه ويستكين، وذلك ما أشار إليه قوله تعالى بعد مطلع سورة الأنفال-آخر الربع الماضي-: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} -
أي زادتهم تصديقا- {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} الآية.
وقوله تعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ} وردت في أوله كاف التشبيه: {كَمَا أَخْرَجَكَ} وقد اختلف المفسرون في السبب الجالب لهذه الكاف من ناحية الإعراب.
ومن أحسن ما ورد في ذلك ما قاله القاضي عبد الجبار: {هذا الجنس من الحذف ربما يعد في كمال الفصاحة، فبشر الله نبيه بالنصرة التامة وجميل العاقبة يوم بدر، كما سهل له الخروج من بيته} إلى آخر كلامه، وذلك رغما عن تثاقل بعض المؤمنين وترددهم في الخروج، طبقا لقوله تعالى في نفس السياق: {وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} وإنما ثقل الخروج عليهم لقتال المشركين، لما فيه من المشقة الزائدة، على حد قوله تعالى في آية أخرى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} . وليس المراد أنهم كرهوا الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذلك لا يتصور في شأن المؤمنين، خصوصا السابقين الأولين.