السابع عشر: أنَّ التَّشبيه وقع بين إخراجين ، أي: إخراج ربك إيَّاك من بيتك ، وهو مكَّة وأنت كارهٌ لخروجك ، وكان عاقبة ذلك الإخراج النَّصر والظفر كإخراجه إيَّاك من المدينة وبعضُ المؤمنين كارهٌ ، يكون عقيب ذلك الخروج الظفرُ والنصرُ والخيرُ ، كما كان عقيب ذلك الخروج الأول.
الثامن عشر: أن تتعلَّق الكافُ بقوله:"فاضْربُوا"، وبسْطُ هذا على ما قالهُ صاحب هذا الوجه أن تكون الكاف للتشبيه على سبيل المجاز كقول القائل لعبده: كما رجعتك إلى أعدائي فاستضعفوك ، وسألت مدداً فأمددتُكَ ، وأزحت عللك ، فخذهم الآن وعاقبهم ، كما أحْسنْتُ إليك وأجريتث عليك الرزق ، فاعملْ كذا ، واشكرني عليه ، فتقدير الآية: كما أخرجك ربُّك من بيتك بالحق وغشَّاكم النُّعاسَ أمَنَةً منه ، وأنزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به وأنزل عليكم من السَّماء ملائكة مردفين فاضربوا فوق الأعناق ، واضربوا منهم كُلَّ بنان.
كأنه يقولُ: قد أزَحْتُ عللكم ، وأمددتكم بالملائكة ، فاضربُوا منهم هذه المواضع وهو القتل ، لتبلغوا مراد الله في إحقاق الحقِّ ، وإبطال الباطلِ ، وهذا الوجه بعد طوله لا طائل تحته لبُعدِه من المعنى وكثرة الفواصل.
التاسع عشر: التقدير: كما أخرجك ربك من بيتك بالحقِّ ، أي: بسبب إظهار دين اللَّهِ ، وإعزاز شريعته ، وقد كرهوا خروجك تَهَيُّباً للقتال وخَوْفاً من الموت إذ كان أمر النبي - عليه الصَّلاة والسَّلام - بخروجهم بغتةً ، ولم يكونُوا مُسَْعِدِّين للخروج ، وجادلوك في الحقِّ بعد وضوحه نصرك اللَّهُ وأمدَّك بملائكته ودلَّ على هذا المحذوفِ الكلامُ الذي بعده ، وهو قوله {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} [الأنفال: 9] الآيات.
وهذا الوجهُ استحسنه أبو حيَّان ، وزعم أنه لمْ يُسْبَق به.
ثم قال:"ويظهرُ أنَّ الكاف ليست لمحضِ التَّشبيه ، بل فيها معنى التَّعليل".