فهرس الكتاب
وعن حيّان بن زيد قال: نفرنا مع صفوان بن عَمْرو وكان والياً على حمص - فرأيت شيخاً كبيراً همّاً ، قد سقط حاجباه على عينيه ، من أهل دمشق ، على راحلته فيمن أغار ، فأقبلت إليه فقلت: يا عم ! لقد أعذر الله إليك ، قال: فرفع حاجبيه فقال: يا ابن أخي ! استنفرنا الله خفافاً وثقالاً ، أَلَا إنه من يحبه الله يبتليه ، ثم يعيده الله فيبقيه . وإنما يبتلي الله من عباده من شكر وصبر وذكر ، ولم يعبد إلا الله عزَّ وجلَّ - وروى ذلك كله ابن جرير - .
فرحم الله تلك الأنفس الزكية ، وحيّاها من بواسل ، باعت أرواحها في مرضاة ربها ، وإعلاء كلمته ، وأكرمت نفسها عن الإغترار بزخارف هذه الحياة الدنية .
ثم رغّب تعالى في النفقة في سبيله ، وبذل المهج في مرضاته ، ومرضاة رسوله ، فقال: {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ما في إسم الإشارة إلى النفير والجهاد من معنى البعد ، للإيذان ببعد منزلته في الشرف ، والمراد بكونه خيراً ، وأنه خير في نفسه ، أو خير من الدعة ، والتمتع بالأموال .
تنبيه:
قال الحاكم: الجهاد بالمال ضروب: منها إنفاقه على نفسه في السير في الجهاد ، ومنها صرف ذلك إلى الآلات التي يستعان بها على الجهاد ، ومنها صرفه إلى من ينوب عنه أو يخرج معه .
وقال بعض مفسري الزيدية: ذكر المؤيد بالله أن من له فضل مال ، وجب عليه أن يدفعه إلى الإمام ، إن دعت إليه حاجة .
وذكر الراضي بالله وجوب دفع ما دعت الحاجة إليه من الأموال في الجهاد ، قليلاً كان أو كثيراً ، ويتعين ذلك بتعيين الإمام .
وأما من طريق الحسبة ، فقال الراضي بالله: يجب ذلك إن حصل خلل لا يسده إلا المال ، ويدخل في هذا إلزامُ الضيِّقة ، وتنزيل الدور ، وقد قال الراضي بالله: للإمام أن يلزم الرعية على ما يراه من المصلحة .