يَقُولُ: فِي شَكِّهِمْ مُتَحَيِّرُونَ، وَفِي ظُلْمَةِ الْحِيرَةِ مُتَرَدِّدُونَ، لَا يَعْرِفُونَ حَقًّا مِنْ بَاطِلٍ، فَيَعْمَلُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ. وَهَذِهِ صِفَةُ الْمُنَافِقِينَ. وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مَنْسُوخَتَانِ بِالْآيَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي سُورَةِ النُّورِ.
عَنْ عِكْرِمَةَ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَا: قَوْلُهُ:" {لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} إِلَى قَوْلِهِ: {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} نَسَخَتْهُمَا الْآيَةُ الَّتِي فِي النُّورِ: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ} إِلَى {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} "
وَقَدْ بَيَّنَّا النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَوْ أَرَادَ هَؤُلَاءِ الْمُسْتَأْذِنُوكَ يَا مُحَمَّدُ فِي تَرْكِ الْخُرُوجِ مَعَكَ لِجِهَادِ عَدُوِّكَ الْخُرُوجَ مَعَكَ.
{لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً}
يَقُولُ: لَأَعَدُّوا لِلْخُرُوجِ عُدَّةً، وَلَتَأَهَّبُوا لِلسَّفَرِ وَالْعَدُوِّ أُهْبَتَهُمَا.
{وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ}
يَعْنِي: خُرُوجَهُمْ لِذَلِكَ.
{فَثَبَّطَهُمْ}
يَقُولُ: فَثَقُلَ عَلَيْهِمُ الْخُرُوجُ حَتَّى اسْتَخَفُّوا الْقُعُودَ فِي مَنَازِلِهِمْ خِلَافَكَ، وَاسْتَثْقَلُوا السَّفَرَ وَالْخُرُوجَ مَعَكَ، فَتَرَكُوا لِذَلِكَ الْخُرُوجَ.
{وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ}
يَعْنِي: اقْعُدُوا مَعَ الْمَرْضَى وَالضُّعَفَاءِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ وَمَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَاتْرُكُوا الْخُرُوجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَكَانَ تَثْبِيطُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَنِ الْخُرُوجِ مَعَ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ، لِعِلْمِهِ بِنِفَاقِهِمْ، وَغِشِّهِمْ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَأَنَّهُمْ لَوْ خَرَجُوا مَعَهُمْ ضَرُّوهُمْ وَلَمْ يَنْفَعُوا.