4 -لم تكتفِ الدعوة القرآنية في تحديد العَلاقة بين الأمم الإسلامية وبين الأمم التي لا تدين بالإسلام بأن تجعلها مبادلة سلم بسلم:"وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا" [الأنفال: 61] ؛ بل تندب المسلمين أن يكون موقفُهم من غير المسلمين موقفَ رحمةٍ وبر، وعدل وقسط:"لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" [الممتحنة: 8] .
وجاءتِ السنة النبوية لتؤكِّد هذا الموقف؛ حيث يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم: (( مَن ظلم معاهَدًا، أو انتقصه حقه، أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس، فأنا حجيجُه يوم القيامة ) ) [7] .
5 -إن المتأمل في معاملات النبي - صلى الله عليه وسلم - لمَن عاصرهم، يلاحظ أنها كانت على مقتضى الحكمة، وهو رعاية حق المعاهدين ما استقاموا على عهدهم، والأخذ في معاملة المنافقين بظاهر حالهم ومسالمة التاركين (قبائل لم تتعرَّض لحرب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم تدخل معه في عهد) ما داموا على حيادهم، وإعلان الحرب على مَن وقف موقفَ العدوِّ (قريش ومَن شاكلهم في المجاهرة بالعداوة) .
ومَن درس غزواته - صلى الله عليه وسلم - وسراياه وجدَها إما حربًا لعدوٍّ لم يَدَعْ أذى وصلت إليه يدُه إلا فعلَه؛ كغزوةِ بدرٍ، أو دفاعًا لعدوٍّ مُهَاجِم؛ كغزوة أُحُد وحُنَين، أو مبادرة لعدو تحفَّز للشر؛ كغزوة بني قُرَيظة، أو كسرًا لشوكة عدو نقضَ العهد وعُرِف بمحاربة الدعوة، واتَّخذ كل وسيلة للانتقام من القائمين بها والقضاء عليها؛ كفتح مكة، حارب - صلى الله عليه وسلم - أولئك الأعداء، وكان يحاربهم في جانب عظيم من السماحة، فنهى عن قتل النساء والأطفال والشيوخ، ونهى عن المُثْلَة، وكان يمضي كل تأمين يصدر من أحد من المسلمين لبعض المحاربين، (( ويسعى بذمتهم أدناهم ) ) [8] ، وكان يوحي بالإحسان إلى الأسرى، وقد يُطلِق سبيلَهم من غير فداءٍ، وبالجملة: فالإسلام يُدِين روح التدمير وروح السيطرة.