فهرس الكتاب
وتقول في شأن أهل الكتاب: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) } [التوبة: 29] .
فإذا كان المسلمون اليوم لا يملكون تحقيق هذه الأحكام، فهم الآن مؤقتاً غير مكلفين بتحقيقها، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ولهم في الأحكام المرحلية سعة يتدرجون معها، حتى ينتهوا إلى تنفيذ هذه الأحكام الأخيرة فيما بعد حين يستطيعون تنفيذها، ولكن عليهم ألا يلووا أعناق النصوص النهائية لتوافق أحكام النصوص المرحلية.
والمؤمنون والدعاة إلى الله قد يجدون أنفسهم ذات يوم مطاردين في المجتمع الجاهلي، وقد عمت الفتنة، وتجبر الطاغوت، وفسد أكثر الناس، وهنا يرشدهم الله إلى الحل: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87) } [يونس: 87] .
اعتزال الجاهلية بنتنها وفسادها وشرها ما أمكن، وتجمع العصبة المؤمنة الخيرة على نفسها لتطهر وتزكو حتى يأتي وعد الله.
واعتزال معابد الجاهلية، واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد، تمتثل فيها
أوامر الله، وتحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي، وتزاول فيها عبادتها لربها على نهج صحيح.
إن وجود القلة المؤمنة في الأرض شيء عظيم في ميزان الله تعالى، شيء يستحق منه سبحانه أن يدمر الجاهلية التي تعارضها وتؤذيها.
كما يستحق منه سبحانه أن يكلأ هذه البذرة ويرعاها حتى تسلم وتنجو، وترث الأرض، وتعمرها حسب أمر الله.
إن هذه العصبة المسلمة التي تواجه الجاهلية الشاملة في الأرض كلها، والتي تعاني الغربة في هذه الجاهلية والوحشة، كما تعاني الأذى والمطاردة، والتعذيب والتنكيل، والسحق والقتل، إنها تستحق أن يسخر الله لها القوى الكونية الهائلة.